ولا يقل دور الحضارة العربة أهمية في بلوغ القارة الأمريكية فرغم مفارقة هزيمة العرب في قرطبة وخروجهم من الأندلس عام 1492م، أي ذات العام الذي تم فيه اكتشاف أمريكا فإن تزامن هذين الحدثين وتقاطعهما في نفس السنة فلا يمكن التغاضي عن دور الحضارة العربية ومساهماتها العلمية وتراكم تجاربها في الملاحة والتجارة والفلك والرياضيات على وجه الخصوص، والتي لولاها لما تمكن كرستوفر كولومبوس من بلوغ اليابسة.
وقد جاءت المساهمة المباشرة للحضارة العربية في حملة كولومبوس عبر الخرائط الأساسية التي اعتمدها وهي من إعداد أبو عبد الله الشريف 1100-1165 الملقب بالإدريسي، وهو رحالة مغربي ولد في سبتة ودرس في قرطبة وبرع في الجغرافيا واستقر في بلاط ملك صقلية روجيه الثاني فصنع له كرة أرضية من الفضة، واشتهر بكتابه المعروف نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. وقد عرف عن كرستوفر كولومبوس اعتماده كغيره من البحارة والملاحين العاملين في مجال التجارة والصيد على خرائط صقلية من هنا يمكن البناء على أصول وجذور علمية كانت سائدة في تلك الفترة.
لا شك أن الكنوز العلمية العربية قد ترجمت إلى عدة لغات الأوروبية، حتى أن قلة ينكرون اليوم فضل العلوم العربية على تطور العلوم المعاصر ومساهمات مكتبة طليطلة أو توليدو في الأندلس وهي مكتبة معروفة جدا ولم تحرق عبر الأحقاد والكراهية والتعبئة ضد العرب إلا بعد أن ترجمت الغالبية العظمى من أعمالها.
وقد ترجم العديد من محتوياتها إلى اللغة الفرنسية وتم نقله إلى مكتبات أخرى يمكن القول أن مكتبة روما مكتبة الفاتيكان تحتوي على كميات كبيرة من هذه الكنوز والمخطوطات العربية المترجمة إلى لغات أوروبية.
رغم غياب أي أدلة على وصول رحالة عرب إلى القارة الأمريكية إذا أننا تكلم اليوم بعد اكثر من خمسمائة سنة على أولى الحملات المسجلة ولكن هناك إشارات تتحدث عن خروج عدة بعثات بحرية عربية من المغرب العربي لعبور ما كان يعرف ببحر الظلمات وذلك في العصرور العباسية والموحدين في الأندلس والمغرب.
هناك مؤشرات تؤكد خروج حملتين من هناك على الأقل وقد تمت التهيئة والاستعدادات اللوجوستية لهتين الحملتين الكبيرتين بعناية وتكتم بالغين.
ليس هناك أي دليل أو وثائق تتحدث عن عودتهما وهذه مسألة قد تعود إلى سببين، أولهما إتلاف وحرق جميع الوثائق التي كانت في الأندلس بعد طرد العرب من هناك، والثانية هي أن الحملات الاستكشافية الخاصة بالتجارية أو الصيد عبر مجاهل البحار عادة ما كانت تحاط بالكتمان التام على اعتبار أنها تستهدف مصادر ثروات طائلة لا بد من إبقائها سرا.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أنه إذا كانت الحملة الأولى لم تعد فلماذا ترسل وراءها حملة أخرى؟ وإذا كانت الحملة الأولى قد ذهبت وعادت ولم تفلح فلماذا يتم الإعداد لحملة أخرى؟ رغم ما تعنيه هذه الحملات من كلفة عالية جدا، إذ عادة ما تمول للبقاء عدة أشهر للوصول إلى يابسة وسط بحار عاتية.
وتحتاج هذه الحملات إلى اكثر من سفينة وإلى تخزين مواد لوجوستية وكفاءات من عناصر البحارة وأمهر الملاحين.
من جهة أخر هناك أدلة توصل إليها أمين مروة، وهو باحث لبناني، مقيم في كندا، بعد دراسة عدد لغات السكان الأصليين المقيمين في شمال أميركا أو ما يعرف بالهنود تؤكد وجود تشابه بين بعض تعابير هذه اللغات التي اطلع عليها واللغة العربية القديمة.
كما يؤكد أمين مروة اطلاعه على بعض النقوش التي عثر عليها في شمال القارة الأميركية والتي تحمل كتابات أو كلمات محددة ككلمتي الله ومحمد وقد أورد صورها في دراسة نشرت في كندا.
تحدث بعض البعض عن بلوغ أمراء الويلز القارة الأمريكية قبل سنوات من كولومبوس، وقد اعتمدت المملكة البريطانية على ذلك للقول أن لها الحق والأولوية في تملك الأراضي في شمال أميركا في مواجهة البابا أو الكنيسة البابوية التي كانت تؤكد حصرية الحق الإسباني والبرتغالي في القارة الأمريكية.
قد نضيف إلى هذه الشواهد أخرى متعددة منها تلك المتعلقة بالفايكنغ التي تؤكد وصول هذه الشعوب من النرويج على وجه الخصوص، وقد اكتشفت منذ بضع سنوات مستعمرة لهم في أقصى الشمال الأميركي وتحديدا القريبة من غرين لاند حيث وما زالت آثار المستعمرة واضحة المعالم ولا تقبل أي التباس وذلك في منطقة تعرف باسم ميدو وأحيانا ما تسمى بأنز.
وقد ساهمت باحثة الآثار النرويجية هيلغا انستاد في اكتشاف هذه المستعمرة التي تؤكد وصول الفايكنغ إلى هناك قبل مئات السنين في القرن التاسع أو العاشر ميلادي أي قبل حوالي أربع أو خمسمائة سنة من وصول كرستوفر كولومبوس.
ولا بد من الإشارة أولا إلى جانب هام يتعلق بالخرائط المتوفرة أيام كرستوفر كولومبوس والتي جعلته يتجه جنوبا بدل الشمال في بحثه عن الهند. من الواضح جدا أنه اعتمد في تحديد وجهته على خرائط صقلية المتوفرة في ذلك العصر والمعروفة آنذاك باحتوائها على ما عرف حينها باسم (البحر الذي اكتشفه الإنكليز) وما فيها من أعلام تحدد وصول الإنكليز إلى الجانب الآخر من البحر أو الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.
لقد ثبت وصول الفايكنغ إلى الشواطئ الشمالية للقارة الأميركية بإبحارهم الملازم للسواحل انطلاقا من أيسلندا وغرين لاند ومنها إلى ما عرف فيما بعد بفين لاند حيث أقاموا لهم مستعمرة هناك. كما بينت أعمال التنقيب أن بناء هذا الموقع وطريقة إعداده تدل على أنه محطة تم تجهيزها ليتم الانطلاق منها لاستكشاف مناطق أخرى في أعماق اليابسة الأمريكية أو متابعة عبر الشواطئ نحو الجنوب. هذا ما تجنبه كرستوفر كولومبوس في التوجه جنوبا أثناء الملاحة وذلك تفاديا لبلوغ اليابسة المعروفة حينها، ما دفعه إلى التوجه جنوبا على أمل تخطي تلك الشواطئ إلى ما وراءها من مناطق ظن أنها الهند. هذا ما قاده في نهاية المطاف إلى حوض الكاريبي.
أي أن مساهمات الحضارة العربية لا تقتصر بالضرورة على تلك السفن أو الحملات التي انطلقت من المغرب لتعبر المحيط إلى السواحل الأمريكية والتي من المحتمل أن تكون قد وصلت كما أشرنا، بل تأتي هذه المساهمة من خلال التقدم الذي بلغه العرب في قرطبة وما احتوته طليطلة من مكتبة شكلت عاملا هاما في عصر النهضة الأوروبية بكاملها فكيف لا تساهم مقتنياتها الفلكية والتجارية وخرائط الملاحة لديها في حدث كهذا وقد كانت في ذروة العلمية والثقافية والتجارية أيضا.
وهناك عدة مؤشرات تتحدث عن مشاركة عدد من البحارة العرب في رحلة كرستوفر كولومبوس، كما يثار جدل حول ما نقل عن مذكراته من عبارات يؤكد فيها رؤيته لبعض المعالم العمرانية الإسلامية وتحديدا منها مآذن الجوامع فوق بعض التلال المطلة على المحيط في جزر الكاريبي وسماعه الآذان يصدح من بعضها، الخ. إلاّ أن شيئا من هذا لم يتأكد بعد، باستثناء ما أورده الباحث الكندي اللبناني الأصل أمين مروه عن العثور على قطع صخرية تحمل اسم الرسول محمد أو كلمة الله وغيرها من الكلمات المشابهة.
الملفت في هذه المسألة هو أن الهنود في جزر الكاريبي، وهي المناطق التي يقال بأن مذكرات كولومبوس تشير إلى رؤية بعض المآذن فيها، قد أبيدوا بالكامل. من المعروف أن نسبة الهنود الذين أبيدوا في شمال القارة قد وصلت إلى 80% من السكان الأصليين، أما في جزر الكاريبي فقد وصلت نسبة الإبادة إلى 100%. والحقيقة أننا إذا عدنا قليلا إلى المجازر التي ارتكبت بحق السكان العرب في الأندلس، رغم تعهد ملك أراغون أمام الأمراء العرب باحترام أرواح السكان المسلمين وممتلكاتهم، لا نستغرب أبدا أن تكون المآذن التي تحدث عنها كرستوفر كولومبوس في مذكراته وراء المذابح الجماعية الفريدة التي ارتكبت بحق الهنود هناك.
يشاع الكثير عن عدم صحة وجود هذه الأسطر في مذكرات كرستوفر كولومبوس، واعتبار البعض أنها مجرد كلمات كتبها كولومبوس وهو في حالة هذيان أصابته بعد أشهر من الإبحار. ولكن المشكلة في هذه المذكرات هي أنها اختفت بالكامل رغم أهميتها البالغة، ورغم أنها نسخت بطلب من كرستوفر كولومبوس نفسه وقام بإهداء نسخة منها إلى الملكة إيزابيل، التي موّلت رحلته، ليحتفظ لنفسه بالنسخة الثانية، ومع ذلك اختفت النسختين معا ليوصف كل ما يكتب عن المذكرات بالتكهنات.
والحقيقة أن لإخفاء المذكرات صلة مباشرة بادعاء الكنيسة الكاثوليكية لحق إسبانيا والبرتغال دون غيرهما في القارة، بحجة أن إسبانيا هي التي اكتشفت القارة، ما أثار مشكلة مع بريطانيا التي تمردت على ادعاء الكنيسة الكاثوليكية مؤكدة أن الفايكينغ هم أول من وصلوا إلى القارة الأمريكية. ما يعني أن إشارة كولومبوس في مذكراته إلى رؤيته لبعض المآذن على التلال الأمريكية المطلة على المحيط كاد، لو انتشرت تلك المذكرات، ليثير إشكالية أخرى مع قوة لا يستهان بها، إذ كانت رغم تراجعها في الأندلس، تدق أبواب العواصم الأوروبية من الشرق حتى استولت على بودابست وحاصرت مدينة فيينا بقيادة سليمان القانوني.
وهكذا أتلفت هذه المذكرات كما اتلف الكثير من المعلومات والأدلة التي تتحدث عن إبادة إرنان كورتيس لمئات الآلاف من السكان الأصليين من القارة الأميركية، وكما لا نعرف اليوم إلا القليل عما أصاب السكان العرب من مجازر في الأندلس، ليس من الغريب ألا ندرك الكثير عن حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقارة الأميركية لإتلاف أكبر قدر ممكن من الأدلة والإثباتات التي كانت على الأرض عند وصول كرستوفر، والتي سجل وقائعها في مذكراته المغيبة.
بالعودة إلى مسألة اكتشاف القارة بحد ذاتها فقد توفرت في القارة الأوروبية التي أضاعت مذكرات كرستوفر كولومبوس، توفرت وثائق لدى ميناء معروف جدا في أوروبا وهو ميناء بريستول، تعود إلى فترة سبقت خروج كولومبوس بعشرات السنين. كانت بريستول من مدن التجارة والملاحة والصيد المعروفة جدا آنذاك وقد عاشت مرحلة ازدهار تزيد عن مائة عام وعرفت بمهاراتها في الصيد إذ كانت تطعم غالبية أجزاء أوروبا من الصيد التي كانت تقدمه.
تؤكد سجلات الفترة التي سبقت وصول كرستفور كولومبوس إلى أمريكا بعشرات السنين، خروج حملة عبر المحيط الأطلسي لتفادي الاصطدام بالألمان في منطقة غري لاند وايسلند تقديرا للمنافسة الكبيرة على المناطق الغنية بالأسماك، ما اجبر الصيادين الإنكليز في تلك الفترة على التوجه شمالا بعيدا عن غرين لاند وايسلند بحثا عن مناطق أخرى. كلفت هذه الحملة التجار الإنكليز مبالغ وإمكانيات لوجوستية هائلة ومع ذلك خرجت الحملة وعادت إلى بريستول.
شهدت بريستول بعد ذلك ازدهارا أكبر خصوصا في مجال الصيد رغم المنافسة الألمانية، ما يعني انهم وصلوا إلى المناطق التي يهاجر إليها الحيتان سنويا من المحيط الهندي إلى شمال المحيط الأطلسي، أي أنهم بلغوا مناطق الثروات السمكية الهائلة شمال ما يعرف اليوم بالولايات المتحدة وكندا.
هذا من جهة، أما من جهة أخرى وبعد سنوات قليلة، وتحديدا عام 1480 أي قبل 12 سنة من إعلان وصول كرستفور كولومبوس إلى أمريكا خرجت حملة أخرى من بريستول، وثقت في سجلات الميناء إجراءات خروج وعودة الحملتين. هنا نكرر السؤال مرة أخرى ونقول: لو خرجت الحملة الأولى ولم تعد بفائدة تذكر فلماذا يراهن التجار الذين غطوا مصاريفها الباهظة على إرسال حملة أخرى أكبر وأعلى كلفة منها؟؟
لا يحتاج المرء إلى ما قد تكشفه تطبيقات التكنولوجيا الحديثة على علوم الآثار والتأريخ من وقائع مدهشة حول أهمية التفاعل بين الحضارات وتعايشها على مر العصور في التوصل إلى ما تمكنت البشرية من تحقيقه على جميع المستويات حتى يومنا هذا.
كما لن يحتاج إلى مزيد من الأدلة حول الأساليب الفريدة التي اتبعت مع حضارة السكان الأصليين منذ اكتشاف الغرب الأوروبي للقارة الأمريكية عام 1492.
وما تبع ذلك من إلغاء لحضارات بكاملها استغرق بناءها آلاف السنين، وإجبار أبنائها على العيش في محميات نائية بالكاد يستطيعون فيها الكفاح من أجل البقاء، بعد أن حرموا من مصادر ثرواتهم الطبيعية الأغنى في العالم.
هذا ما تميز به وصول الحضارة الغربية الأوروبية إلى القارة الأمريكية عن وصول بقية الحضارات السالفة الذكر، والتي يبدو أن وصولها قد اقتصر على نوع من التفاعل الفكري والتجاري دون غيره، ولم يبلغ حد مبدأ إلغاء الآخر الذي قامت عليه المجتمعات الأوروبية الأولى في القارة الجديدة واستمر على مبادئه الكيان الأمريكي من سنوات المهد الأولى عبر المستوطنات المبعثرة التي شيدت هناك حتى عصر التوسع والهيمنة الجاريان اليوم تحت مظلتي العولمة والنظام العالمي الجديد وشعارات الدفاع عن الحرية والديمقراطية في العالم.
=-=-=-=-=-=-=-نهاية الفصل الأول.