اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
   

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 كتاب إغتيال الملك فيصل والخلافة السعودية الفصل الثاني
 

الأوضاع الداخلية والاقليمية والدولية، الخلافة بين سعود وفيصل

  

الملك فيصل

   

يقول الأمير طلال بن عبد العزيز أنه حين كان وزيراً للمالية في عهد الملك سعود جاءه رسول من جلالته يقول إن "الملك زعلان لأن هناك إطارات سيارات منعتموها من الدخول عبر الجمارك". فذهب الأمير طلال إلى الملك ليلاً فقال سعود : كيف يا طلال تفعل كذا؟ فأجاب الأمير : يا طويل العمر نظام الجمارك أسسه أبوك ولست أنا، ثم أضاف، ربما كان لديك سيارة واحدة وأخرى احتياط ولكل منها أربعة إطارات ومثلها احتياط، أي ما مجموعه 16 إطاراً أو ربما 26، ولكن الذي جاءكم 40 أو50 اطاراً، وهذا عدد يفوق ما هو مسموح به.

يتابع الأمير طلال بن عبد العزيز هذه القصة التي سردها في مقابلة تلفزيونية أجراها مع محطة الجزيرة قائلاً : أنت الملك يا طويل العمر ويمكنك تغيير القانون إذا شئت. هناك جمارك تفرض. أم تريدني أن أدفعها من جيبي؟ فاقتنع الرجل، ثم أردف الأمير : حين يقول الناس إن الملك دفع جمارك سيكون لهذا الأمر وقعاً عظيماً عندهم، أن سعود دفع جمارك. وكان المبلغ بسيطاً لا يتعدى بضعة آلاف من الريالات. فأجابه سعود : والله عندك حق، قولوا لهم أن يدفعوا[1].

 

مع استيلاء عبد العزيز على الحجاز عام 1926 أصبح سلطاناً على نجد بموجب معاهدة الحماية التي وقعها مع بريطانيا وجعلت من السعودية محمية بريطانية، ( راجع نص معاهدة الحماية البريطانية من كتاب "جزيرة العرب في القرن العشرين" للكاتب حافظ وهبة) وذلك على غرار بقية المعاهدات التي وقعتها الدولة العظمى حينها مع محميات أخرى في عمان وحضرموت وغيرها، أمّا لقب الملك فكان غنيمة من الملك حسين بن علي بعد الاستيلاء على الحجاز وتوحيد المنطقتين وإعلان المملكة عام 1932.

أدى اتساع رقعة الأراضي التي يسيطر عليها آل سعود إلى حاجة عبد العزيز لأن يمضي فترة إقامة طويلة في كل من مكة التي أصبحت عاصمة للمملكة الجديدة، والرياض عاصمة السلطنة، ونظراً لبعد المسافة وصعوبة التواصل بينهما قام بتنصيب نائب له في كل من المنطقتين فعيّن ابنه سعود ولياً للعهد ونائباً له في نجد، تقديراً لأهمية السلطنة في غزواته اللاحقة، كما اختار فيصلاً لينوب عنه خلال فترة غيابه عن الحجاز، فكانت هذه أولى بذور النزاع على السلطة بين الشقيقين.

توفي عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود سنة 1953 وسط تفاقم النزاعات على السلطة بين العاهل السعودي الجديد سعود بن عبد العزيز وشقيقه ولي العهد ورئيس الوزراء المعين حينها الأمير فيصل إلى جانب ما شهدته تلك المرحلة من تفاعلات في الظروف الداخلية المتأثرة بنهوض حركات التحرر الإقليمية وأجواء الحرب الباردة على المستوى الدولي.

كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بانتصار الحلفاء على دول المحور، وكان الملك عبد العزيز قد وقف إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي برزت من بين القوى التقليدية العظمى وأبدت اهتماماً حديثاً في المحميات البريطانية السابقة، فوافق على منحها قاعدة عسكرية على أراضي المملكة عرفت بقاعدة الظهران عام 1946 مقابل أجر مالي استمر حتى عام 1962 عند إغلاقها نتيجة الضغوط الداخلية وتنامي الموجة القومية والناصرية في المنطقة.

برغم هزيمة فلسطين عام 1948 شهدت المنطقة إبان تسلم الملك سعود مقاليد الحكم عام 1953 نوعاً من الغليان الإقليمي الذي تمثل في تحرر عدد من الدول العربية المجاورة واستقلالها من الانتداب الفرنسي والبريطاني، كما تبع ذلك عدد من التحولات السياسية التي تمثل بعضها بمجموعة انقلابات وقع أولها في سوريا عام 1949 تبعته أحداث مشابهة ثبت فيها تورط دول عربية في زعزعة استقرار بلدان أخرى وإثارة الاضطرابات الداخلية فيها.

وقد توجت تلك الوقائع بتشكيل تحالفات دولية كحلفي وارسو والناتو، وما تفرع عنهما من أحلاف إقليمية على غرار حلف بغداد وحلف السيانو في آسيا، إلى جانب تجاذبات سياسية أخرى أثارت مخاوف السعودية وغيرها من الدول الخليجية المجاورة لما اعتبرته تهديداً للأنظمة الوراثية السائدة فيها خصوصاً ما يتعلق منها بالطفرة القومية والناصرية التي انتشرت إثر الإطاحة بالملك فاروق بعد انقلاب الضباط الأحرار.

إلا أن هذه الأحداث لم تمنع اعتلاء سعود بن عبد العزيز العرش بشكل سلس ودون أي مواجهة أولية تذكر مع شقيقه الأمير فيصل الذي أصبح ولياً للعهد. وتقاسم الأخوان في السنوات القليلة اللاحقة السلطة والمسؤوليات وفق ما تسنى لهما، فعمل سعود على تعزيز قاعدة حكمه ضمن صفوف العائلة بينما سعى فيصل إلى التركيز على مجلس الوزراء، حتى بدأت تظهر أولى ملامح الانقسام من خلال التعيينات فكان من مؤيدي فيصل الأمير عبد الله وزير الداخلية، وشقيقاه فهد، وزير التعليم، وسلطان وزير المواصلات.

مقابل ذلك عين سعود أبنائه في مناصب قائد الحرس الوطني (سعد) وقائد الحرس الملكي (بندر ومنصور) ووزير الدفاع (فهد ومحمد) وأمير منطقة الرياض بدر، وأمير مكة (عبد الله) ورئيس الديوان وغيرها ما أثار قلق أشقائه إزاء ميل سعود لحرمانهم من المناصب الحكومية البارزة، وقد خشي الكثيرون أن تكون هذه التعيينات إشارة إلى نية سعود نقل الخلافة إلى ذريته بدل أخوته.

ساهم في تعزيز هذه الفكرة عدد أبناء سعود الذي بلغ 53، فقد تفوق في ذلك على والده، إذ انجب عبد العزيز36 ابناً. كما زاد نفوذ أبناء سعود حتى عرفوا بلقب الملوك الصغار، وقد يكون هذا ما يبرر ولو جزئياً الدعم الذي حظي به فيصل من قبل أشقائه في نزاعه مع سعود[2].   جاء رد الأمير فيصل على ذلك بتعزيز استئثاره بمواقع السلطة والقرار، فاحتكر لنفسه مناصب ولي العهد ونائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الشورى ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ووزير المالية والقيادة العليا للجيش إلى جانب تعزيز صلاحياته في مجلس الوزراء على حساب ما يفترض أن يتمتع به الملك سعود قياساً بما كان لدى الملك عبد العزيز من صلاحيات.

اعتبرت تلك النزاعات من أشد أزمات الأسرة الحاكمة تعقيداً وذلك لتعدد أسبابها ونطاقها، علماً أن السبب الجوهري يكمن في المخاوف الأمنية لدى النخبة الحاكمة، إلى جانب ما أشيع حول بذخ وإسراف الملك سعود ومشارفة المملكة على الإفلاس متمثلاً بتنامي مستوى الدين العام وحالة التضخم المالي وانخفاض قيمة الريال السعودي حتى بلغ نصف قيمته الرسمية وما إلى ذلك من ظروف مشابهة اجتمعت كلها برغم ارتفاع إيرادات الدولة النفطية.

أضف إلى ذلك الضغوط الناجمة عن عدد من المقتضيات الإقليمية والدولية، فقد أخذ على سعود إهماله السياسات الرئيسية تجاه العراق والأردن وسوريا ومصر والولايات المتحدة، وارتكاب العديد من الأخطاء الجسيمة في السياسة الخارجية.

من بين المآخذ التي سجلت على سعود اتباع سياسة حياد تجاه الولايات المتحدة، وتشجيع التقارب مع المملكة الأردنية الهاشمية، وتعزيز التقارب مع مصر، حيث كان عبد الناصر يتبنى سياسة مناهضة الاستعمار، هذا إلى جانب اشتعال الأزمة اليمنية التي شكلت معضلة أخرى تواجه الأسرة وتثير مخاوف النخبة الحاكمة على ميراثها في الملك.

1.                  تعكس مجموعة من الوثائق الأمريكية التي تعود إلى تلك الحقبة ما شهده نزاع الشقيقان فتقول إحداها أن تزايد منزلة فيصل في الحكم قد أزعجت الملك سعود، فبدأ السعي لتعزيز نفوذه بين الزعماء الدينيين والقبائل الشرقية ووسط البلاد، وعمل على كسب بعض العناصر الحضرية والقبائل الشرقية ووسط البلاد حتى العناصر الحضرية الصغيرة عبر تلميحات متكررة برغبته في إنشاء مجلس مستشارين يمثلون فيه، كما استغل احتجاجات بعض أصحاب المصالح لتحريضهم على سياسة فيصل الداخلية[3].

نلاحظ تنامي بوادر صراع على سلطة الذي بدأ ضعيفاً ثم اشتد تدريجياً، وقد بدأت علامات النزاع حينما شكا الملك للسفير الأمريكي أن الميزانية السعودية لم تعد توفر احتياجات كافية لمشروعات التنمية مما سيؤدي إلى نقص مرتبات الموظفين الحكوميين، الأمر الذي يهدد بتعطيل العمل[4].

 

كما قال الملك إن فيصل كان مهتماً فقط بالنظم الاقتصادية والإصلاح المالي، وأن فيصل قد هدد بالاستقالة في حالة استخدام المملكة القروض الأجنبية من أجل التنمية، وأبدى الملك ملاحظة وهي عدم رضا الدوائر الحكومية العسكرية عن نظم فيصل الاقتصادية وإصلاحاته وأن هذه الملاحظة تشجعه مرة ثانية أن يصبح رئيس الوزراء[5].

ويبدو أن الولايات المتحدة كانت غير راغبة في تشجيع الملك على طلب قروض من الولايات المتحدة ومن ثم فقد ردّت وزارة الخارجية الأمريكية، وأوضحت للملك أن مسألة القروض مستحيلة إلا من خلال وكالتين فقط في الولايات المتحدة وهما بنك الإستيراد والتصدير وصندوق قروض التنمية، الأول يوفر قروضاً بالدولار ترد للحكومات والشركات الخاصة، تتضمن صادرات أمريكية، وأشارت الخارجية إلى أن المملكة سبق وأفادت في الماضي عن مثل هذه القروض، وصندوق قروض التنمية يوفر قروضاً قابلة للسداد بالدولار أو العملة المحلية من أجل التنمية، ولكن لا توجد حالياً أرصدة متاحة، وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أنها متعاطفة، وترغب بتطوير العربية السعودية ومستعدة لمناقشة المشروعات الاقتصادية السليمة مع حكومة السعودية في الوقت المناسب، كما أن وزارة الخارجية تعتقد أن العربية السعودية ستكون في وضع أفضل لتأمين قروض من هيئات القروض الدولية أو الأمريكية، حينما يتوازن وضعها المالي وحين تقوم بسداد التزاماتها المادية، وأوضحت أن المساعدة المتاحة الآن من قبل الولايات المتحدة كحكومة في أزمة السعودية الراهنة هي مد فترة سداد مدفوعات المشتريات العسكرية[6].

أما الملك سعود فمن الواضح أنه كان في تلك الفترة يتهيأ لتولي شؤون رئاسة الوزراء، ففي مناقشة مع السفير الأمريكي ذكر له أنه في حاجة إلى مبالغ طائلة لقروض التنمية قبل أن يتولى دوره كرئيس للوزراء، وكانت نصيحة السفير الأمريكي للملك سعود هي ألا يتولى مقاليد الحكومة[7].

يتضح هنا أن السفير الأمريكي كان يجمع معلومات عن طبيعة العلاقة بين فيصل والملك، فقد ناقش هذا الموضوع مع أحد أعضاء مكتب رئيس الوزراء فيصل، فأجابه المسؤول أن سياسات الإصلاح تخدم العربية السعودية، وأن فيصل لم يكن ضد الأمريكيين، وأنه على الرغم من أن فيصل لم يكن ليطلب أبداً مساعدة للتنمية إلا أنه سيقبلها لو عرضت عليه[8].

وفي جانب آخر من هذه البرقية يتأكد أنه قد وصلت إلى السفير الأمريكي العديد من التقارير، عن خلافات خطيرة بين الملك وولي العهد، وبناء على ذلك فقد طلب السفير الأمريكي لقاء الأمير فيصل، وشرح له الهدف من هذه المقابلة، معتبراً أن السفارة في تلك الأوقات الحرجة كانت حريصة على إرسال تقرير عن الموقف بدقة، وأنها غير قادرة على تقييم هذه الشائعات التي إن صحت فسيكون لها تأثير هام على السياسة السعودية. فأجاب فيصل مباشرة أنه لا توجد خلافات بينه وبين الملك، فكما هو الحال بين الأصدقاء فإننا لا نتفق في الرأي أحياناً، لكننا لسنا أبداً على خلاف مع أحدنا الآخر، مختتماً حديثه بعبارة : "لن يأتي اليوم الذي أقف فيه في مكان والملك في مكان آخر".

اكتفى السفير في تقريره السابق بهذا القدر الذي نفى فيه فيصل أي خلاف بينه وبين الملك سعود ولكن على ضوء تقارير أخرى عن هذا الموضوع فإن السفارة أصدرت حكماً على الموقف بعد دراسة ووصلت فيها إلى الآتي :

1.             توجد خلافات خطيرة في الرأي حول سياسة الدولة بين الملك وفيصل، وفيصل لا يريد أن يكشف عنها لأي أجنبي، لا لأنه غير أمين، ولكن لأنه مقتنع بقدرته الذاتية على حلها قبل أن تسبب المتاعب.

2.             إن فيصل يرفض أن يدع هذه الخلافات تتطور لتصبح انقسامات مكشوفة (ففي رأيه أن الأمر يستلزم اثنين حتى يتعاركا وهو لن يعارك).

3.             إن الولاء للملك والإخلاص لانقاذ الأسرة الحاكمة يحول دون تآمر فيصل ضد الملك.

4.             سوف يعمل فيصل بإصرار من أجل الاصلاحات الاقتصادية الداخلية، وتنظيم الحكومة وعدم التورط في الأمور الخارجية حتى يأتي اليوم الذي يختار فيه الملك أن يتصرف ضده.

5.             إذا طلب الملك من فيصل أن يترك فسوف يفعل هذا بدون ضجة.

6.             إن أفضل وجهة نظر بالنسبة للعربية السعودية أن يظل الملك ملكاً اسمياً وفيصل هو المسيطر فعلياً[9].

وقد بلغ الاهتمام الأمريكي بموضوع الخلاف بين سعود وفيصل، حد الدعوة لعقد اجتماع مجلس الأمن القومي رقم 406 بتاريخ 13 أيار/مايو وأعلن القائم بأعمال مدير المخابرات المركزية الجنرال كابيل عن الخلافات بين فيصل وسعود الواردة في موجز المخابرات  الموجز بعنوان (تطورات عالمية هامة تؤثر على أمن الولايات المتحدة).

ويقول التقرير : أنه فيما يتعلق بالخلاف بين الملك سعود وولي العهد فيصل، كانت في أوجها، وقد أعاق الملك برنامج الإصلاح الذي تبناه فيصل، وأضاف التقرير أن ولي العهد على استعداد للاستقالة، وولي العهد ليس في صحة جيدة، ومن غير المحتمل أن يتحدى الملك في صراع كامل، وتبدو الأزمة الحالية نتيجة لرفض فيصل أن تكون ديون الملك التزامات حكومية، وأضاف التقرير أن موقف الأمراء العرب السعوديين تجاه صراع ولي العهد والملك ليس واضحاً.

وكتبت المخابرات المركزية تقريراً حول صراع سعود – فيصل، يبدي تخوفاً من احتمال أن يؤدي الصراع بين فيصل وسعود إلى عدم استقرار سياسي واقتصادي. كما يوضح التقرير، أنه لا يوجد تحدِّ خطير للوضع القائم خارج الجماعة الحاكمة، كما أن هناك عدم رضا كبير بين العناصر الحضرية من المتعلمين والعمال بما في ذلك ضباط الجيش الأصغر سناً وسلاح الجو والخدمة المدنية، ولكن لا يوجد دليل واضح على أية حال، على أن هناك بين هؤلاء الساخطين أية حركة منظمة ضد النظام.

أضاف التقرير أنهم لا يعرفون أي جماعة إصلاحية تتآمر ضد النظام من خارج البلاد، والوطنيون الأكثر وضوحاً الذين يعبرون عن آرائهم، والذين يعتنقون الفكر الناصري قليلون، ولكن هؤلاء متعاطفون مع فيصل لأن فيصل يستمع إلى بعض وجهات نظرهم وأكد التقرير أنه ليست هناك أية دلائل على تشجيع ناصر لتلك العناصر الثورية التي تتطلع إلى زعامته، ويرجع هذا من وجهة نظر التقرير إلى أن عبد الناصر مشغول تماماً مع العراق والشيوعيين في المنطقة، فضلاً عن المشاكل الداخلية التي يواجهها في الجمهورية العربية المتحدة[10].

ولكن واشنطن لم تستطع إخفاء انحيازها إلى جانب فيصل برغم حرصها الشديد على عدم الإيحاء بالوقوف إلى أي من طرفي النزاع. فأرسلت وزارة الخارجية برقية مفصلة إلى السفارة في السعودية منبهة إلى ضرورة مراعاة الحرص البالغ لتجنب أي إيحاء بأن الولايات المتحدة ترغب في التدخل في صراع القوة بين فيصل وسعود لتساند أياً منهما، ولكنها في جانب آخر من الرسالة تقول إن على السفير أن يوضح للجميع بما فيهم الملك أن حكومة الولايات المتحدة تكن أعظم الاحترام لفيصل وأنها مقتنعة اقتناعاً راسخاً بالاصلاحات المالية التي استهلها، وأنها في صميم مصالح العربية السعودية. كما طلبت وزارة الخارجية من السفير أن يأخذ المبادرة بزيارة مبكرة لفيصل[11].

من الواضح أن مرض فيصل قد سبب قلقاً للسفارة الأمريكية والخارجية الأمريكية، حيث اعتبروا أن مرضه الذي لا يعرفون عنه الكثير يمكن أن يسبب مشكلات حقيقية بشأن علاقة الولايات المتحدة في المستقبل مع العربية السعودية، وتخوفت الخارجية الأمريكية من أن يستعيد سعود سلطاته إذا ما أصاب فيصل عجز لأي مدى زمني، واعتبروا أن أية محاولة من الملك للقيام بهذا يمكن أن تؤدي إلى آثار سياسية غير مستقرة في العربية السعودية[12].

ويبدو أن ما أقلق الأمركيين هو ظهور ما عرف بالأمراء السعوديين الأحرار وهي مجموعة من الشبان المتأثرين بالأفكار الناصرية والداعين لإجراء إصلاحات فعلية في البلد. هذا ما ورد في مذكرة رسمية أضافت أنه رغم إقامة سعود بعض الصلات بهم ووعد بمؤازرتهم لكنه تحاشى التعهد بالتزامات محددة نحوهم لخشيته من نفوذ رجال الدين.

كما تأتي المذكرة على الإشارة إلى ما ألمح به الأمير نواف بن عبد العزيز في تصريح له بالقاهرة في مايو/أيار 1960 إلى وجود ميل لإقامة أول جمعية دستورية (وطنية) وإعداد أول دستور للدولة وتأسيس محكمة عليا ولجنة للتخطيط، وتختتم المذكرة أنه في حزيران يونيو 1960 اقترح طلال إقامة نظام ملكي دستوري فرفض فيصل الاقتراح وأبعد عنه طلال وجماعته[13].

يتابع التقرير الأمريكي ذاته اهتمام واشنطن بالنزاع بين الأخوين فيقول أنه بين آب أغسطس ومطلع أيلول سبتمبر عرض الأمراء الشباب مشروع الدستور على الملك فرفضه باعتباره متطرفاً، ولكن حاول الاحتفاظ بصلاته مع المجموعة. وفي أيار مايو 1960 اعتزم فيصل التوجه إلى أوروبا للعلاج، وعين الأمير فهد بن عبد العزيز وكيلاً له، لكن سعود رفض المصادقة على التعيين وأيد عدد من الأفراد فيصل بينما وقف عدد آخر من بينهم طلال ونواف إلى جانب الملك، وأن فيصل لم يجرؤ على مغادرة البلد.

ويضيف التقرير أنه في تشرين الثاني/نوفمبر 1960 أخذ سعود يطالب فيصل بإحاطته علماً بجلسات الحكومة، وعدم تعيين أمراء المناطق والمدن والبلدات والقضاة إلا بموافقته، وبأن يمتنع عن نشر الميزانية دون المصادقة عليها.

ثم تختم الوثيقة الأمريكية بأن الملك طالب بزيادة نفقات البلاط وأن تدفع لأولاده الصغار مخصصاتهم كاملة. وفي 21 كانون أول/ديسمبر قدم فيصل للملك مسودة مرسوم ملكي حول الميزانية، فرفض الملك توقيعه بحجة أنه لا يحتوي على تفاصيل، وفي اليوم عبنه قبل الملك سعود استقالة رئيس الوزراء الأمير فيصل ووزارة فيصل.

في جانب من وثيقة أمريكية أخرى وصف تسلسل الأحداث بالقول إن الملك سعود تولى مهام رئاسة الوزارة بنفسه، وعين وزارة من عشرة أعضاء، تتألف من أربعة أمراء ملكيين، وست من العامة، وتضم وزارة الملك الجديدة رجالاً يتمتعون ببعض الكفاءة ووجهات نظر متحررة نسبياً.

بالنسبة للأمراء الملكيين، ثلاثة من الوزراء في الوزارة الجديدة أشقاء أصغر للملك قد تحددت هويتهم مع من يسمون بالأمراء الليبراليين (الأحرار) الذين كانوا يعارضون فيصل، وهم :

عبد المحسن (الداخلية) محمد بن سعود (الدفاع) هو الابن الثالث والمفضل للملك وهو قدير تماماً، طلال (المالية)، الشخصيات الست من العامة تقنيون أكفاء كان أربعة منهم، عبد العزيز بن حسن (التعليم) ود. حسن نايف (الصحة) وأحمد شطا (التجارة) وعبد الله الرباع (الزراعة) وكلاء وزارات سابقين، وكانوا يقومون حقاً بكل العمل، وكان (سوايل) وزير الخارجية الجديد سفيراً في العراق، وكان قبل ذلك المدير العام لوزارة الخارجية، أمّا الطريقي فقد انطلق بمنصبه من مدير عام إلى وزير البترول.

فيما يتعلق بالوزراء المستبدلين، تقول الوثيقة أنهم كانوا جميعاً باستثناء واحدٍ فقط من رجال فيصل الأقوياء، فقد ظل الأمير مسعد بن عبد العزيز، عم الملك ووزير الداخلية السابق، شوكة في جنب الملك سعود لمدة طويلة. كان القائم بأعمال رئيس الوزراء أثناء غياب فيصل في أواخر 1959 وأوائل 1960، ومنع سعود من تولي الأمور في ذلك الوقت.

وتوضح في جانب آخر منها أن الأمير فهد بن عبد العزيز الشقيق الأصغر للملك ووزير التعليم السابق (كان يشاع عن أنه المرشح المحتمل للعرش السعودي إذا خرج فيصل أو سعود) من المحتمل أن يكون الأمير فهد بن سعود (ابن الملك ووزير الدفاع السابق) قد خرج لأنه يريد الخروج[14].

ومن الواضح أن الملك سعود لم يدخر جهداً في كسب المودة الأمريكية، فقد سافر عام 1957 واستقبل بحفاوة بالغة أعلن خلالها قبوله بإعلان أيزنهاور أو مبدأ أيزنهاور الذي جاء كرد فعل لتداعيات حرب السويس حين أعلن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ما عرف بـ “Eisenhower Doctrine”.

يقضي هذا المبدأ الشهير بإتباع سياسة أمنية إقليمية جديدة وكبرى تم طرحها في كانون الثاني يناير 1957 وتم إقرارها من جانب الكونغرس في آذار مارس من العام نفسه. وهي وثيقة تتعهد بأن الولايات المتحدة سوف تقوم بتوزيع المساعدة الاقتصادية والعسكرية على حلفائها، وأنها إذا اقتضى الأمر ستستخدم القوة العسكرية من أجل احتواء الشيوعية في الشرق الأوسط. كما وافق سعود أثناء هذه الزيارة على تجديد عقد إيجار الحكومة السعودية لقاعدة الظهران الجوية.

ولم يكن ولي العهد السعودي الأمير فيصل بعيداً عما يجري في واشنطن بل كان يراقب عن قرب فقام بكتابة رسالة بعث بها إلى كل من الرئيس أيزنهاور ووزير خارجية جون فوستر دالاس يقول فيها " إنني أعلم أن الأمريكيين يعتقدون أن سعود هو صديقهم الوحيد وهذا بالطبع ليس صحيحاً"[15].

يقول الكاتب الأمريكي جوزيف أ. كيشيشيان[16]، الذي سجل مجموعة كبيرة من المقابلات التي أجراها مع أمراء آل سعود في المملكة، أنه أثناء زياراته للمؤسسات الحكومية كان يشاهد صوراً لجميع الملوك السعوديين باستثناء الملك سعود، وهو علل ذلك بحقيقة ما يشاع عن الذمة المالية للعاهل السعودي الراحل، وفساده الإداري.

ويضيف كيشيشيان الذي أمضى سنوات في السعودية لإعداد كتابه أنه لا توجد مصادر سعودية يمكن الوثوق بها وأن الكثير من المصادر الغربية بعيدة عن الصحة، وهذا ما زاد من صعوبة مهمتنا في البحث عن أسباب سياسية فعلية وراء النزاع بين الأخوين فيصل وسعود للاستيلاء على السلطة والحكم.

هذا ما دفعنا إلى اللجوء لبعض المعطيات الرسمية حول تواريخ وإحصاءات تتعلق بعدد من الوقائع التي يمكنها أن تكون دليلاً على ما شهدته السعودية من متغيرات جدية في الفترة الممتدة بين تاريخ تسلم الملك سعود زمام حكمه عام 1953 وتاريخ إجباره على تسليم العرش لشقيقه الملك فيصل عام 1964، عل ذلك يساعدنا في العثور على الأسباب الفعلية الكامنة وراء نزاع الشقيقين على السلطة.

مجمل ما يتهم به الملك سعود أنه بدد عشرات الملايين من الدولارات على نزواته، التي يذكر منها أنه تزوج من النساء أكثر مما فعل والده، أو أنه استخدم 250 ألف لمبة لإنارة قصره المسمى بالجنة الصغيرة وما شابه ذلك من اتهامات قد لا ينجو منها كثيرين من أبناء البلاط الملكي الذي لا يتسم أي من أعضائه بصفة التقشف أو التواضع.

وبما أن العاهل السعودي قد طرد مع أبنائه من البلاد بعد إزاحته عن العرش ومصادرة ممتلكاته وقصوره بحيث لم يعد بالإمكان إحصائها لجأنا إلى تواريخ قيام المؤسسات الحكومية السعودية الأولى والتي قد تكون السبب في تبديد ميزانية المملكة المتنامية من عائدات النفط لنجد أن الوزارات الرئيسية قد تأسست في عصر الملك سعود، وهي كما يلي :

1-          وزارة البترول والثروة المعدنية عام 1960.

2-          وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 1961.

3-          مؤسسة الضمان الاجتماعي عام 1962.

4-          المجلس الأعلى للتخطيط عام 1960، وكان برئاسة الملك وعضوية وزراء المالية والمواصلات والبترول والتجارة والزراعة والصحة.

5-         كلية الصيدلة في جامعة الرياض عام 1960.

6-         كلية التربية في مكة عام 1963.

7-         كلية الهندسة في الرياض عام 1962.

8-         كلية البترول والمعادن في الظهران عام 1963. ثم أصبحت تسمى جامعة البترول والمعادن وحين اعتلى فهد على العرش أسماها (جامعة الملك فهد).

9-         وكالة البلديات عام 1962.

10-     إعداد مشروع الدستور 1961. ورد في بيان الملك سعود عام 1961.

11-     مشروع نظام المقاطعات. نصه الكامل في كتاب "رسالة إلى مواطن" للأمير طلال بن عبد العزيز، القاهرة 1962.

12-     مشروع نظام العمل عام 1963. يقال إن هذا المشروع حين عرض على فيصل قال إنه لا يساوي عود الثقاب الذي يجب أن يحرق به. ثم أجبر على اعتماده وإلغاء بعض بنوده بعد حملة اعتقالات واسعة في صفوف العمال.

13-     إغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية عام 1961. وكانت هذه القاعدة قد أقيمت عام 1946 على يد والده عبد العزيز.

14-      مشروع التجنيد الإلزامي عام 1961. وقد جمده فيصل وألغاه كلياً.

15-     والإنجاز الأهم الذي سجل في عهد الملك سعود هو تنفيذ سياسة عتق العبيد وتحريرهم عام 1962. مع أن هذا قد تم بضغوط من لجان حقوق الإنسان وخطابات عبد الناصر ونداءات الرئيس الأمريكي جون كيندي، وكان صوت العرب يذيع رسائل خاصة حول هذا الأمر. وقد أعتق سعود 1682 عبداً وتكلفت الحكومة بدفع 700 دولار عن كل ذكر وألف دولار عن كل أنثى.

نذكر هنا أن بعض الصحافة الإقليمية اعتبرت هذا العمل إنجازاً لشقيقه فيصل، علماً أن هذا الأخير قد أثار أزمة دبلوماسية عام 1932 حين كان وزيراً للخارجية إذ قام بطرد السفير البريطاني لدى المملكة السير أندريو ريان لاشتراكه في تحرير عدد من عبيد والده استناداً للاتفاقية عام 1927، وقد أعاد التفاوض على اتفاقية معدلة عام 1936 تعترض على إلغاء العبودية في المملكة.

أمّا على الصعيد التربوي فتشير الإحصاءات السعودية الرسمية إلى نمو منقطع النظير في أعداد المدارس والطلاب المنتمين إلى المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية إلى جانب أعداد المدرسين الذين يعملون في المدارس الرسمية، إلى جانب النسبة المئوية لمضاعفة تلك الأعداد. فجاءت على الشكل التالي[17] :

 

المرحلة الإبتدائية

السنة

1373 هـ /1953 م

83/ 1384 هـ/ 63/ 1964م

النسبة المئوية

عدد المدارس الإبتدائية

196

1173

600 %

عدد الطلاب

23835

192,646

أكثر من 800 %

عدد المعلمين

1000

9682

أكثر من 950 %

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليم المتوسط والثانوي

السنة

1373 هـ / 1953 م

1376 هـ / 1956 م

النسبة المئوية

عدد المدارس

12

32

أكثر من 250 %

عدد الطلاب

1697

4811

حوالي 300 %

عدد المعلمين

176

357

أكثر من 200 %

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السنة

1373هـ /1953 م

83 / 1384 هـ/ 63/ 1964 م

النسبة المئوية

عدد المدارس المتوسطة والثانوية

12

93 مدرسة متوسطة + 21 ثانوية =114 مدرسة متوسطة وثانوية

 

حوالي 1000 %

عدد الطلاب

1697

14154 طالباً في المرحلة المتوسطة + 3898 طالباً في المرحلة الثانوية = 18052 طالباً في المرحلتين المتوسطة والثانوية

 

أكثر من 1050%

عدد المعلمين

176

995 معلماً في المرحلة المتوسطة + 160 مدرساً في المرحلة الثانوية = 1155 مدرساً في المرحلتين المتوسطة والثانوية

أكثر من 650 %

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يوجز الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود، في كتابه[18]، إنجازات عهد الملك سعود بن عبد العزيز بالقول إنها كانت فترة الفورة التعليمية، كما أعلن سعود خلالها النظام الأساسي للحكم، وقيام المجلس الاستشاري، هذا إلى جانب العديد من التدابير والأمور الإدارية، على غرار ديوان المظالم. (شكل هذا الديوان فيما بعد أساساً لوزارة القضاء والمحاكم المدنية وغيرها).

أما معطيات النزاع بين الأخوين فيختصرها الكاتب السعودي المحامي الشهيدي بحكاية وصول الملك فيصل إلى السلطة عبر مأثرة شبه أسطورية نشرت على موقع منتديات القمة[19] قد تعتبر الأكثر شيوعاً في الأوساط السعودية وهي تقول : وصل الأمر بالملك (سعود) أن حاصر بقوات عسكرية قصر فيصل، ووجه فوهات المدافع على القصر، فما كان منه (فيصل) إلا أن نزل إلى هذه القوات بسيارته - برغم تحذير حاشيته له، وما إن وصل عندها حتى اصطف الجميع لأداء التحية العسكرية، ومثل هذه التصرفات دفعت الأمراء لاقتحام قصر الملك، (...) عام 1964 أجبروا الملك سعود على التنازل تماماً عن العرش، وصار فيصل بن عبد العزيز ملكاً على السعودية.

تستدعي الإضاءة على وقائع الأحداث التي أطاحت بالملك سعود الإشارة إلى القوى التي كانت سائدة في البلد، وهي تتألف من مجموعتين، الأولى تتألف من حفنة ضئيلة من المنظمات والأحزاب اليسارية وضباط الجيش وحركات مطلبية ضعيفة تنوء تحت قوة وضغط وسيطرة المجموعة الثانية التي تألفت بدورها من ثلاث فرق متفاوتة في قوتها، وهي تتألف من

1- الملك سعود وما حوله من (ملوك صغار) كما كان يطلق على أبنائه.

2- الأمراء الأحرار، وهي مجموعة من تسعة أمراء تزعمهم الأمير طلال بن عبد العزيز، لعبت على التناقضات بين الشقيقين فيصل وسعود، وأخيراً فريق ولي العهد فيصل مع مناصريه الذين وصل عددهم في أفضل الأحوال إلى 72 أميراً.

كان الشعب السعودي في بداية الخمسينات مفتوناً بمشاريع عبد الناصر الوحدوية وشخصيته، فقد ظهرت عام 1955 حركة تمرد مؤيدة لمواقف الرئيس المصري في مدينة الطائف، كما ساهم المد القومي واليساري في ظهور مجموعات سياسية مثل حركة نجد الفتاة وحركة تحرير الجزيرة العربية إلى جانب حزب شيوعي صغير هناك.

ولكن الأثر الشعبي البالغ والجاد قد ظهر من خلال حركة عمّالية مطلبية قوية خرجت إلى العلن تحت عنوان اتحاد نقابات العمل في الظهران (مركز النفط السعودي الأبرز حينها)، وقد بلغ عدد العمال المشاركين في التظاهرات ثلاثة عشر ألف عامل، وكان لها نشاطات واسعة النطاق، وكانت الحالة الوحيدة التي شارك فيها عمال محليون وأجانب في الاحتجاج ضد الشركة، والملفت هنا أن هذه الحشود قد تداعت بمناسبة زيارة قام بها الملك سعود إلى تلك المنطقة عام 1953. 

وقد تظاهر هؤلاء وأضربوا مطالبين بساعات عمل محددة، وتحسين الأجور، وإلغاء سياسات التمييز التي تمارسها شركة أرامكو ضدهم، إضافة إلى حقوقهم النقابية والسياسية. ولا شك أن الموجة القومية قد أثرت بهؤلاء العمال، كما خشيت حكومة الرياض من تعاطف القوات المسلحة مع قضيتهم، إذ شارك بعض الجنود في التظاهرات والاعتداء على القنصلية الأمريكية[20].

أحرزت هذه الجماعات بعض التقدم في بداية حكم الملك سعود، حيث اضطرت الشركة إلى إدخال بعض الإصلاحات الضريبية وتحسين ظروف العمل، لكن السلطات السعودية أعربت عن اعتراضها على تلبية المطالب لأسباب اعتبرتها أمنية، وما لبثت أن قامت بقمعها عبر إرسال فرق عسكرية. ويقال إن بداية عهد الملك فيصل قد شهدت اختفاء اثني عشر من قادة العمال النقابيين الذين لم يرهم أحد بعدها[21].

ولكن هذا لم يمنع تشكيل تنظيمات سياسية للعمال والطلبة والمثقفين وصغار التجار والكسبة، تعددت أوجه نشاطها بدءاً من التظاهر إلى التفجيرات التي طالت على سبيل المثال محطة البريد الرئيسية في الرياض ومبنى وزارة الدفاع ومكتب المستشار الأمريكي في الرياض وقصر الأمير عبد الرحمن، وقصر قيادة الأمن في الدمّام وعدد من المراكز العسكرية، وخط التابلاين[22].

عام 1954 قرر الملك سعود دعوة بعثة مصرية عسكرية لتحل محل المستشارين الأمريكيين، وبعد أشهر قليلة نظمت مجموعة عرفت "بالضباط السعوديون الأحرار" محاولة انقلابية أفشلتها الحكومة السعودية، وفي ربيع عام 1955 أوقف عدد كبير من الضباط الذين حوكموا وأعدموا بعد أن اتضحت خطتهم بخلع الملك واستبدال الملكية بنظام جمهوري.

وفي العام نفسه وقف اثني عشر من ضباط الجيش السعودي إلى جانب قبيلة الرَث جبل قاها شمال شرق جيزان في مطالبها بمزيد من الحقوق الدينية وحالوا دون قصفها بطائرات القوات الجوية. كما يؤكد جوزيف إ. كيشيشيان أن العناصر القومية في الجيش قد استطاعت الصمود بوجه عمليات التطهير المتكررة.

وفي الفترة الممتدة بين 1957-1959 جرى توقيف آلاف من الضباط وإعدام العديد منهم بتهمة التخريب والتمرد، ومع ذلك ازداد عدد العسكريين المنتمين إلى حركة الضباط الأحرار بين عامي 1958-1962 متأثرين بقيام الجمهورية العربية المتحدة، وقد أدى ذلك عام 1958 إلى خروج تظاهرة من الجنود والضباط احتجاجاً على إنهاء خدمات البعثة العسكرية المصرية في المملكة.

ويقول ف. غريغوري غوس 3 F. Gregory Gause III[23] أنه بين الثاني والثامن من تشرين أول/أكتوبر من عام 1962 انضمت أربع مجموعات من القوات الجوية السعودية إلى مصر محملة بالسلاح للقوات المتمردة في اليمن.

ثم استمر هذا النوع من الحوادث برغم طلب الرياض من واشنطن حراسة المجال الجوي السعودي، حتى توجت في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام باكتشاف محاولة انقلاب قام بها عدد من طيارين القوات الجوية السعودية ولكنها كانت هذه المرة بقيادة أمراء من الأسرة الحاكمة.

تتوافق كل المراجع على أن النزاع الفعلي على السلطة ما كان ليشمل تلك الحركات الشعبية والنقابية المتواضعة والمهمشة، ذلك أنها لم ترقَ يوماً إلى مستوى العمل المنظم والكفيل بمواجهة أسرة حاكمة بلغ عدد أعضاؤها جذعاً وفروعاً ما يزيد عن عشرة آلاف أمير، وقد لا يبالغ أ. جوزيف كيشيشيان حين يقول أنها قد تصل إلى عشرين ألف يتوزعون مع أنسابهم والمؤيدين والمقربين منهم على مختلف مرافق الحياة السياسية والإدارية والتنفيذية والأمنية والاقتصادية في البلد.

لهذا وبرغم كل ما سبق الإشارة إليه من أسباب بقيت النزاعات الجدية والرئيسية على السلطة ضمن إطار المجموعات الملكية الثلاث المذكورة أعلاه، كما أن الأحداث الرئيسة التي شكلت منعطفات هامة في نزاع الأخوة على السلطة يمكن اختصارها بما يلي :

1- سعي الملك سعود إلى تعيين أكبر عدد ممكن من أبنائه في الوزارات الأبرز كما أشرنا سابقاً؛ ما أثار حفيظة بقية الأشقاء الذين حرموا من حصتهم في السلطة برغم احترامهم لوصية عبد العزيز في عدم المساس بولاية أخيهم سعود على العرش.

2- سعيه للتفرد بأكبر قدر من المناصب والصلاحيات التي شكلت عائقاً أمام ولي العهد شقيقه فيصل الذي عمل بدوره على استقطاب أشقائه المستائين من استئثار سعود وأبنائه الملوك الصغار بمقاليد الحكم.

3- موافقة سعود على إجراء مجموعة من الإصلاحات المتعلقة بوضع دستور وتشكيل ما يشبه البرلمان وتعهده بإدخال سلّة من التعديلات الإدارية التي بدت وكأنها تهدد تفرد آل سعود بزمام السلطة، ما أثار مزيداً من سخط الأمراء الفاعلين في الأسرة.

4- قيام الملك بتشكيل حكومة من أحد عشر وزيراً أشرك فيها ولأول مرة ستة وزراء من غير أبناء عبد العزيز. فمع أنهم اعتبروا من ذوي الكفاءة إلا أن كبار الأمراء في العائلة رأوا في ذلك انتقاصاً لما يعتبرونه حقاً لهم في مناصب الدولة.

5- العامل الأخير في إطار التهديدات التي حشدت طاقات أبناء عبد العزيز ضد أخيهم الملك، والذي قد يمكن اعتباره الأهم والأشد خطورة من بين الأسباب التي أطاحت بسعود، ما أشيع عن سعيه لتنصيب ابنه محمد بن سعود وزير الدفاع آنذاك ولياً للعهد وما كاد يعنيه ذلك من استئثاره بملك أبيه وتحويله لأبنائه بدل أشقائه من بعده.

أما تسلسل الأحداث التي أدت إلى عزل الملك سعود وتولي فيصل السلطة فقد بدأت من اجتماع عقده كبار آل سعود في آذار مارس من عام 1958 اعتبروا فيه أن سعود لم يعد قادراً على القيام بواجباته كحاكم، واتفاقهم على نقل السلطة التنفيذية إلى رئيس مجلس الوزراء ولي العهد فيصل، واحتفاظ سعود بلقب الملك.

يقول الأمير طلال عن تلك المرحلة أن الملك سعود قبل بهذه القرارات حتى العام التالي حين أراد فيصل السفر للقاء نظرائه وزراء الخارجية، ورؤساء الحكومات العرب على هامش اجتماعات هيئة الأمم المتحدة عام 1959، فانتهز الملك سعود تلك الفرصة لاستعادة صلاحياته[24].

ويضيف طلال إن ما عرف بمجموعة الأمراء الأحرار قد انتهزت الفرصة لتعلن أنها ستدعم أي الأخوين الذي يوافق على مطالبها بتأسيس مجلس للشورى ونظام الحكم الأساسي (الدستور) والمجلس العائلي، إلخ. فرفض الطرفين التحدث في هذه المسائل، ما قد يشير إلى أن الشقيقين المتنازعين ما كانا ليؤيدان الإصلاحات المطروحة بقدر إصرار الأول على استعادة صلاحياته وإصرار الثاني على انتزاع السلطة.

ويقول طلال إن كلا الشقيقين حاولا استمالته مع مجموعة الأمراء الأحرار، حتى أن فيصل وعده بتنفيذها وما إن استولى على الحكم حتى تراجع عنها كما يفعل المرشحون للرئاسة حين يقدمون وعوداً كثيرة وعند فوزهم يتخلون عن كثير منها[25].

وهذا ما حصل فعلاً، إذ طرح فيصل حينها ما عرف ببرنامج النقاط العشر للإصلاح الذي كان يتضمن وعداً بوضع الدستور الدائم للبلاد، ومجلساً استشارياً، وتشريع قانون أساسي للحكومة يستقى من القرآن والحديث النبوي وأعمال الخلفاء الراشدين، وتدون فيه تدويناً واضحاً المبادئ الأساسية للحكومة والعلاقة بين الحاكم والحكومة، وتنظيم السلطات المختلفة للدولة والعلاقة بين السلطات، وضمان الحقوق الأساسية للمواطن بما في ذلك حق التعبير الحر عن آرائه ضمن حدود العقيدة الإسلامية والسياسية العامة[26].


أمّا بعد إمساك فيصل بزمام السلطة أصبح تراجعه واضحاً عن كل ما سبق وأعلنه؛ ففي مقابلة خاصة نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية، باريس-24/6/66، مع الملك فيصل يقول جلالته : "دستور؟ لماذا؟ إن القرآن الكريم هو أقدم الدساتير وأعظمها كفاية في العالم، انتخابات وبرلمان؟ بعد التجارب السيئة الحظ التي جرت محاولاتها في البلدان المجاورة، من الأفضل أن ننسى موضوع الانتخابات، صدقني إن الإسلام دين مرن مرونة كافية، وهو بعيد النظر بحيث يضمن سعادة شعبنا".

استطاع فيصل الحكم بصلاحيات مطلقة منذ 11 أيار/مايو من عام 1958 حتى 21 كانون أول/ديسمبر من عام 1960 حين أصبح عاجزاً عن مواجهة مطالب سعود بالعودة إليه في جميع القضايا، فقدم استقالته أملاً في مزيد من الضغط على أشقائه ليعززوا صلاحياته أمام إصرار الملك سعود على استرجاعها.

انتهز سعود الفرصة ودعا أشقاءه في مجموعة الأمراء الأحرار ليشكل وزارة من 11 وزيراً تولى الأمير طلال منهم وزارة المالية والأمير محمد بن عبد العزيز وزيراً للدفاع، والأمير عبد المحسن بن عبد العزيز وزيراً للداخلية، والأمير بدر بن عبد العزيز وزيراً للمواصلات، والأمير فواز بن عبد العزيز أميراً للرياض. وكانت تلك الوزارة الأولى كما ذكرنا التي ضمت ستة وزراء من غير أبناء عبد العزيز.

تشير المراجع المختلفة إلى أن ضغوط الأمراء الأحرار بفرض الإصلاحات قد تفاقمت على الملك سعود وكان من بينها إقفال القاعدة العسكرية الأمريكية في آذار/مارس من عام 1961 بضغط من تأثير الموجة القومية والحركة الناصرية على الشارع السعودي، حيث اتهم طلال بالوقوف وراء إلغاء الاتفاقية الأمريكية السعودية بشأن القاعدة واشتهر بعدها بالأمير الأحمر.

علماً أن إقفال القاعدة بدا أكثر ارتباطاً بآثار وتبعات التمرد الشعبي الذي وقع في أيار/مايو من عام 1956 حين قام سعود بزيارة لمنشآت أرامكو بالتوافق مع انتهاء مدة عقد الإيجار الأمريكي في قاعدة الظهران؛ فخرجت تظاهرات سعودية تندد بالامبريالية وتعلن الإضرابات المتعاقبة التي استمرت طوال فصل الصيف لتبلغ أشدها مع زيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى الظهران في أيلول/سبتمبر من ذلك العام، حيث لقي ترحيباً عارماً أثار القلق في نفوس حكام الرياض[27].

لم يستقر تحالف سعود مع الأمراء الأحرار طويلاً، ففي 11 أيلول/سبتمبر من عام 1961 صدر قرار ملكي بإقالة الأمير طلال من منصبه كوزير للمالية، فتبعه في ذلك أشقاؤه في مجموعة الأمراء الأحرار الذين قدموا استقالاتهم مغادرين إلى بيروت حيث انتزعت جوازات سفرهم منهم، فانتقلوا من هناك إلى القاهرة حيث قاموا رسمياً بتشكيل ما عرف بحركة الأمراء الأحرار، وما تبعها من تأسيس جبهة سعودية معارضة أوسع أطلق عليها لقب "جبهة التحرير السعودية".

جاءت تلك الوقائع لتبرز عجز الملك سعود عن الإمساك بزمام السلطة بخاصة بعد أزمة عام 1962 والإطاحة بالحكم الوراثي في اليمن والتدخل العسكري للقاهرة في الأحداث هناك، ما اعتبر معضلة تهدد الكيان السعودي برمته.

يقول جوزيف أ. كيشيشيان في الصفحة 158 من كتابه "الخلافة في العربية السعودية"، أن الدور الذي لعبته مصر في خلع ملك اليمن قد أثار نقاشات حادة في البلاط الملكي السعودي لم يكشف النقاب عنها حتى اليوم، ولكنها انتهت في 17 تشرين أول/أكتوبر من عام 1962 إلى تجريد كبار العائلة في الرياض سعود من السلطة وأوكلوا رئاسة مجلس الوزراء إلى الأمير فيصل.

انتهز ولي العهد تلك الفرصة ليقوم بما يشبه الانقلاب الأبيض على شقيقه، عبر سلسلة من الأعمال التي بدأها بتشكيل حكومة جديدة تكمن مهمتها في تجريده من عناصر القوة التي قد تمكن الملك سعود من استرجاع صلاحياته أو الإطاحة بولي العهد لتعيين ابنه كما بدأ يشاع في تلك الفترة.

استطاع فيصل استثناء أبناء الملك سعود من عضوية حكومته الجديدة، وعين الأمير خالد بن عبد العزيز (الذي أصبح ملكاً من بعده) نائباً لرئيس مجلس الوزراء، ولاحقاً ولياً للعهد. كما أوكل الحقيبتين الوزاريتين الرئيسيتين، الدفاع والداخلية، بالإضافة إلى رئاسة الحرس الوطني، إلى أشقائه المقربين سلطان بن عبد العزيز وفهد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد العزيز على التوالي.

أراد فيصل من ذلك تغيير بنية الحكم في الأسرة الحاكمة، فعزز هذه التشكيلة الحكومية بإجراءات يبدو أنها اعتبرت ضرورية لسحب أبسط احتمالات الدعم التي يمكن أن يتلقاها سعود من الداخل أو الخارج، فأمر بصرف المستشارين المصريين الذين كانوا يعملون في الدوائر السعودية مزيلاً بذلك مخاطر تأثير التقارب الناصري النسبي مع الملك سعود في تلك الأثناء.

ثم أنشأ دائرة خاصة تابعة لوزارة الداخلية للإشراف على العمال الأجانب (العرب) ضارباً بذلك ما كاد يمكن اعتباره تهاوناً من سعود مع الأرضية الشعبية والعربية في البلد. كما أعاد تنظيم وتعزيز الأجهزة الأمنية في المملكة لضرب الحركات الشعبية المتنامية وتعزيز حكمه.

وأخيراً حصل على موافقة علماء الدين (الوهابيين) لإدخال البث التلفزيوني في البلد لما يعنيه ذلك من دعاية وترويج لسياساته وسلطته، وقد أقيمت محطات البث التلفزيوني برغم اعتراض العلماء الشديد، والذي توج بمهاجمة مجموعة من المتشددين كان على رأسهم أمير سعودي تم قتله على يد رجال الأمن، وكان الأمير هو خالد بن مساعد، شقيق الأمير فيصل بن مساعد الذي قام باغتيال الملك فيصل لاحقاً.

إلا أن هذا كله لم يوقف النزاع على السلطة بين الشقيقين، وكان لدى كل منهما ما يكفي من المناصب السياسية ودعم القبائل وتأييد الوحدات العسكرية بما يشكل شبه توازن في موازين القوى بين الطرفين. ثم بدأت المرحلة النهائية من هذا الصراع تتبدى في الأفق مع حلول موعد إحدى لقاءات جامعة الدول العربية، حيث أصر سعود على تمثيل المملكة في تلك القمة.

اعتبرت تلك الخطوة نقطة تحول رئيسية في الصراع على السلطة بين فيصل وسعود، حيث تمت تعبئة وحدات الحرس الملكي والوطني التابعين للملك إلى حسم النزاع نهائياً. وقد حسمت هذه المسألة حينها بأن أذعن فيصل لحل قضى بتولي الملك سعود تمثيل المملكة في اجتماعات الجامعة العربية، مقابل اكتفاء ولي العهد برئاسة الحكومة[28].

أصبح الشحن والشحن المضاد بين الأخوين على أشده مع بداية عام 1964، وبلغ التوتر حداً دفع مزيداً من الأخوة إلى الوقوف بجانب فيصل من جهة مقابل إقدام أبناء الملك سعود على تحريض والدهم العلني وعلى الملأ إلى تعزيز سلطته وخلع الأمير فيصل من منصبه.

يبدو أن فيصل كان قد تعلم من تجاربه السابقة مع الملك سعود أن عليه الإمساك بزمام المبادرة وتوجيه الضربة الإستباقية لجلالة الملك قبل أن يقوم هذا الأخير بعزله وتعيين ابنه ولياً للعهد مكانه. وفي آذار/مارس من عام 1964 أمر فيصل قوات الأمن الداخلي التابعة لرئاسة الحكومة، بتوقيف قائد الحرس الملكي الذي كان نصيراً وفياً لجلالته، ما أدى إلى إضعاف تلك القوة التي بلغ تعدادها 800 رجل، وتشتت وحداتها بين مؤيد ومعارض، فجرى بذلك القضاء على القوة العسكرية الفاعلة المفترض أن تقف إلى جانب سعود بكاملها.

هنا تتباين المراجع التاريخية بين الحكاية التي أتينا على ذكرها آنفاً للمحامي الشهيدي، من أن الملك قد أرسل وحداته لمحاصرة فيصل في قصره، وحين نزل إليهم سموه الملكي قاموا بتأدية التحية خانعين، ما دفع الأمراء لدعوة الملك إلى التنحي، إلخ،... وبين قصة أخرى تقول عكس ذلك تقريباً، ولكنها أكثر منطقية وانسجاماً مع تسلسل الأحداث.

حين استطاع فيصل وأشقائه تجريد الملك من مصدر قوته العسكرية أو قدرته الوحيدة على المقاومة، والكامنة في عزل قائد حرسه الملكي، قاموا بإرسال وحدات عسكرية تحاصر قصره، ثم دعوا إلى عقد اجتماع لمجلس الأسرة والذي تألف من 71 من الأمراء النافذين في الدولة، ليصدر قراراً بعزل الملك وانتقال العرش رسمياً من سعود إلى شقيقه فيصل. وهذا ما حصل فعلاً في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1964.

ويقول المؤرخ صلاح سالم زرتوقة في كتابه[29]. أن خلع الملك سعود قد تم بوضعه أمام خيارات ثلاثة، إمّا القبول بعزله، أو اقتياده إلى السجن، أو نفيه إلى خارج البلاد. فما كان من سعود إلا أن رضخ للتهديد وانصاع لقرار أشقائه، ثم غادر البلاد ليتبعه الملوك الصغار من أبنائه.

من الواضح أن الصراع على السلطة لم ينته بعزل الملك سعود ورحيله عن بلاده، إذ إن هذا قد توجه بعد ذلك إلى مصر، تبعه بعد ذلك عدد من أبنائه، كان من بينهم خالد ومنصور وبندر وسلطان، حيث منحهم الرئيس جمال عبد الناصر كل التسهيلات اللازمة لتشكيل معارضة قوية من هناك، بما في ذلك مساحة بث عبر إذاعة القاهرة باتجاه المملكة.

جاء رد فيصل على ذلك بالعمل على إضعاف محاولات سعود اليائسة عبر استعادة أشقائه "الأمراء الأحرار" إلى الوطن كي لا يشكلوا تحالفاً واسعاً مع سعود في الخارج، كما أرضى بعضهم بمناصب من المرتبة الثانية في حكومته. فعين بدراً نائباً لقائد الحرس الوطني 1965 ونوافاً مستشاراً للملك عام 1968، وفوازاً أميراً لمكة عام 1971 وعبد المحسن أميراً للمدينة عام1975.

امتدت محاولات سعود لاستعادة عرشه من عام 1964 حتى نكسة عام 1967، حين راجعت مصر سياستها في الخليج وأوقفت تدخلها في اليمن وفقد الملك سعود دعم القاهرة فغادر مصر متوجهاً إلى اليونان حيث عاش حتى وفاته عام 1969.

أمّا على الصعيد الداخلي فقد سعى فيصل إلى تعزيز حكمه باختيار ولي عهد لا ينافسه على الصلاحيات والحكم فيكرر التاريخ نفسه كما حصل بينه وبين سعود؛ نجح جلالته في اختيار ولي عهد عرف بمرضه في القلب وعدم اهتمامه بالسياسة والحكم، وانكبابه على هواياته في رحلات الصيد الطويلة في قلب الصحراء، فقام بتعيين نائب رئيس وزرائه السابق وشقيقه الوفي خالد بن عبد العزيز ولياً للعهد.

ومع ذلك نجد أنه من أبرز ما ركزت عليه المساحة الإذاعية في القاهرة والصحف المصرية عموماً في تلك الفترة مسألة تفجر النزاعات العائلية على السلطة بين عامي 1966 -1967 حين قام فهد، وزير الداخلية حينها، بدعم من أخويه الأمير سلمان (أمير منطقة الرياض/سديري) والأمير سلطان (وزير الدفاع/سديري) حاول استبدال الأمير عبد الله كقائد للحرس الوطني، لكنه اصطدم بمعارضة كل من فيصل وولي العهد خالد.

       يعتبر جوزيف أ. كيشيشيان من أهم المراجع المتعلقة بهذه الحقبة الغامضة إذ يعتمد كما سبق وأشرنا على إجراء مقابلات مطولة مع عدد كبير من أمراء الأسرة المالكة هناك، وهو يقول[30] أن محاولات عزل الأمير عبد الله لم تتوقف، فمع بداية السبعينات طالب الأمراء من فرع السديري مجدداً بتخلي الأمير عبد الله (الملك الحالي) عن قيادة الحرس الوطني.

 بينما عملت رموزهم عل