اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
   

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 بركان أميركا اللاتينية: رهانات اليسار وواقعه*
 

أمريكا اللاتينية

 

بموت الحرب الباردة سارع بعض المثقفين ورجال السياسية لدفن الأمل بالثورات والحركات الثورية. ولكن أميركا اللاتينية ما برحت تذكر باستمرار بأن نهاية التاريخ ما تزال بعيدة جداً[1]. وأخيراً أتحفتنا بصعود فعلي لقوى اليسار نشهده في شتى أرجاء هذه المنطقة من العالم. إنه اليسار السياسي الذي يخوض غمار الانتخابات ليأتي بكثير من الحكومات. من ذلك اليسار هوغو شافيز Hugo Chavez في فنزويلا، والرئيس لولا (لويس ايناسيو لولا داسيلفا) Luis Inacio Lula da Silva في البرازيل، وحديثاً تاباريه فاسكيز Tabaré Vasquez زعيم الجبهة الموسعة في الأوروغواي. ولكن أيضاً، وخاصة الجذرية الجديدة لحركات اليسار الاجتماعي الذي يقلق في آن معاً النخب المحلية في أميركا اللاتينية وقيادات الولايات المتحدة. فمن الانتفاضات الشعبية الكبرى في الأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وبنما، والاضطراب المزمن في الحكومات، والنضالات في شتى الاتجاهات ضد الخصخصة، والسيرورة التشاركية في الثورة البوليفارية في فنزويلا...: تجد الهيمنة النيوليبرالية نفسها محاصرة تسائلها الموجة الصاعدة لحركات المقاومة المتنوعة. ويجري كل ذلك على خلفية وضع كارثي يتميز بتزايد التفاوت وبوجود 225 مليون من الفقراء، مع فقدان متزايد لشرعية الأنظمة السياسية القائمة.

  

يسار أميركا اللاتينية وتجدد الحركات الاجتماعية

مما لا جدال فيه أن وطن جوزيه مارتي[2] José Marti، "الوطن الكبير"، يعيش حركية احتجاج مبدعة: ثمة قوى اجتماعية جديدة برزت –حركات سكان الأحياء الفقيرة، حركات نسائية، حركات المحرومين من الأرض، حركات العاطلين عن العمل، حركات السكان الأصليين...- وهي تفرض قضايا جديدة على جدول أعمال الصراعات الاجتماعية وهي تطرح نقداً جديداً للرأسمالية[3]. يزعم هذا التجدد نجاحه في الجمع بين الديمقراطية الاجتماعية والسياسية، بين المساواة والتنوع، وفي بناء "عالم يجد الجميع نفسه فيه"، إنها طريقة في رفض الأحادية التي يفرضها التسليع المعولم، دون التخلي عن التضامن الأممي. كما أن لائحة الأنشطة الجماعية المستخدمة هي أيضاً بالغة الأهمية مع المحافظة على نكهة الإدارة الذاتية.

إن حركات كاحتلال المصانع في الأرجنتين، ووسائل الإعلام الخاصة بالجماعات المحلية كما في فنزويلا، وحركة المحرومين من الأرض في البرازيل، والقرى الزاباتية في المكسيك (القرى التي تنظمها الحركة الزاباتية)... لا يجوز اعتبارها بمثابة النموذج الأصلي لحركة اجتماعية مثالية أو أنها مبتكرة كليا، لأن في ذلك ضلال عن جوهر هذه الحركات. أولاً، لأن هذه الأنشطة تعتمل في داخلها انقسامات واختلافات متنوعة، بحكم منطقها ونتائجها. ثانيا، لأن هذه الظاهرة هي نتيجة لتمفصل بين ماض من أشكال التعبئة الجماعية (لا سيما تعبئة الحركة العمالية التي تبقى عاملاً مركزياً) وحاضر الأصل المشترك فيه لكل هذه المقاومات (في اليوم والأمس) يكمن "في النزاع المباشر وغير المباشر مع الأصول المادية لعلاقات السلطة والهيمنة"[4]. أخيراً، بفعل أن التحدي المطروح- النجاح في المواجهة فعالة مع النيوليبرالية- يبقى قائماً حتى الآن. وبالعكس، فإن آخر جردة لحساب النتائج تبدو بالأحرى سلبية، والتجربة البرازيلية تبين أن صعود اليسار إلى رأس السلطة التنفيذية في بلد ما لا يعادل الاستيلاء على السلطة، بل يعادل بالأحرى تقبلاً منها، أو جحوداً، بل فساداً، وبالتالي انفصالاً متزايداً بين الحركات الاجتماعية والحكومات من أصل تقدمي.

إن فهم هذا التطور يستلزم العودة إلى التاريخ[5]. عندما اندلعت الثورة الكوبية مع نهاية الخمسينات متحدية إمبراطورية الولايات المتحدة، كان الهدف الاستراتيجي المشترك بين الحركات الثورية هو إقامة الاشتراكية. وكانت الأدوات المستعملة هي الكفاح المسلح الاندراج في الحركات "الجماهيرية"، المشاركة الانتخابية، أو أيضاً محاولة الجمع بينها ثلاثتها معاً. كانت تلك مرحلة حرب العصابات، ولاهوت التحرير، وهي أيضاً مرحلة فشل التغيير السلمي في تشيلي (1970-1973).ولكن سلسلة من الانقلابات العسكرية وضعت حداً لتلك الأنشطة. وعلى الرغم من ارتدادات الثمانينات، فإن مقاومة الديكتاتوريات أدت إلى افتتاح عهد أفضل. لقد جاءت الثورة الساندينية في العام  لتعيد 1979 لتعيد الأمل.

إن ظهور الأنظمة البرلمانية وخروج الولايات المتحدة منتصرة من الحرب الباردة يتطابقان مع ولادة مرحة تاريخية جديدة. ففي العام 1990، خلصت الجبهة الساندينية لتحرير الوطن Front Sandiniste de Liberation Nationale في تحليلها لموازين القوى العالمية إلى الإعلان عن نهاية مرحلة تاريخية: نهاية مرحلة الثورات المعادية للامبريالية والكفاح المسلح. وبنفس المنهج الذي أكدت فيه الجبهة الساندينية هذا التوجه قبلت بهزيمتها الانتخابية، ما ترك البلاد فريسة لسيطرة القوى المحافظة. ولحق بهذا الخيار، في سلفادور خروج مقاتلي "جبهة فاراباندو مارتي للتحرير الوطني" Front Farabundo Marti de Liberation Nationale من الصراع، وفي هذه الأجواء حاول العديد من المجموعات المسلحة العودة الصعبة إلى الحياة المدنية، كما كان الحال في كولومبيا (جماعة م-19) M-19، أو في الأوروغواي التوباماروس Tupamaros. وبموازاة ذلك، شهدنا في كثير من البلدان "تحولات ديمقراطية" جزئية، عبر المساومة مع القوات المسلحة.

وجد هذا التوجه الجديد ترجمته المنطقية في "منتدى ساو باولو" Forum Sao Paulo الذي جمع أحزاب اليسار الموافقة على هذا التكتل[6]. إن ما اعتبره البعض بمثابة صحوة العقل، أو اشتراكية-ديمقراطية انتهى عملياً بالكثير من المنظمات إلى تحول واضح نحو اشتراكية ليبرالية Social-libéralisation. إن قادة هذه المنظمات، التحقت فعلياً، وهي تدافع عن "الطريق الثالث" بالنظام النيوليبرالي. يتشكل أحد محاور هذه الظاهرة –الملحوظة على المستوى العالمي- هو حكم المحالفة Concertation في تشيلي، والتي يصدق على إدارتها دوماً صندوق النقد الدولي. وبينما اختارت قلة من المناضلين متابعة الكفاح المسلح، مثل الفصائل المسلحة الثورية الكولومبية FARC في كولومبيا أو "حركة توباك أمارو" Mouvement Túpac Amaru في البيرو، فإن البعض الآخر انغمس فيما يسميه أتيليو بورون Atilio Boron "لعنة الاحتمالية المحافظة"[7]. وهكذا فإن هذا الانحطاط نخر في العمق واحداً من أكبر الأحزاب العمالية في القارة، حزب العمال البرازيلي، ما أحبط كثيراً العديد من الفاعلين الاجتماعيين.

فبعد سنتين على وصوله إلى السلطة أصبح الرئيس لولا محط إعجاب الأوساط المالية وتجارة المنتجات الزراعية[8]. وأخيراً وجد الحكومة البرازيلية نفسها منجرفة وسط شبكة واسعة من الفساد، على غرار أسلافها من الحكومات التي لا طالما أدنها لولا يوم كان مناضلاً فعلياً. ولا ريب في أن هذه النهاية نتاج تحول بطيء في حزب العمال البرازيلي، يعود لأكثر من عشرين سنة. وإذا كان اليسار بدا عاجزاً عن وضع بدائل لهذه الحال في هذا البلد-القارة، البرازيل، فليس من العجب تكرار نفس السيناريو في البلدان الصغيرة...

هكذا كانت حالة الإكوادور مع غوتييريز Gutiérrez الذي استمر يدغدغ بالأوهام حركة السكان الأصليين حتى أطاحت به ثورة الفئات الوسطى المفقرة. وفي الأرجنتين فإن كيرشنر Kirchner، الموصوف غالباً "وسط اليسار" يمارس إدارة محافظة تحت القناع، وهو الذي نجح في تهدئة الجماهير التي انخرطت في انتفاضة عام 2001.

وفي الأوروغواي، تبين تصريحات "الجبهة الموسعة" تنامي تقليد لولا Lulalisation في إدارة حكم البلاد، في حين يقوم تاباريه فاسكيز Tabaré Vásquez بالتخلي عن مجالات سياسية أساسية، مثل استعادة مياه الشرب بوصفها من الملك العام، ويتركها لخدمة كبريات الشركات العملاقة. وأخيراً في بوليفيا، فإن "الحركة من أجل الاشتراكية" بقيادة الزعيم الفلاحي إفو موراليس Evo Morales تشهد تحولها إلى مؤسسة، وهذا التحول أدى بها إلى دعم الرئيس كارلوس ميزا Carlos Mesa (المخلوع)، ثم التخلي فجأة عن المطالبة بالجمعية التأسيسية التي يطالب بها الجميع في شوارع بلد الأندين، بعد أكثر من عشرين شهراً من النضالات الشعبية من أجل استعادة الموارد الطبيعية. يبقي إفو موراليس على شعبية واسعة، وربما لهذا سيكون الرئيس المقبل للبلاد. ولكن، إذا أراد أن لا يحبط الثورة مجدداً، عليه الإصغاء إلى صوت الشعب والشروع ببرنامج قطيعة فعلية مع النيوليبرالية. إن مثل هذه الملاحظات هي التي جعلت صحفي في وول ستريت جورنال Wall Street Journal إلى أن يقول، منذ بضعة شهور، إذا كان اليسار سيعود إلى الصعود مجدداً في أمريكا اللاتينية، فذلك سيكون للحظة فقط، و"بثياب محافظة جديدة" ستبدو بعيدة كل البعد عن الرمزية البطولية لشخص مثل تشي غيفارا أو كاميليو توريس [9]Camilio Torres.

  

التحديات الراهنة لبناء البدائل

وهكذا فإن خط الفصل ليس بين "يسار في الحكم" يعتبر مسئولا أو براغماتياً (وهو في الواقع مديراً لمصالح الرأسمالية) و"يسار الرفض" يسمى بأنه محكوم بممارسة الاحتجاجات العقيمة، وبلا طائل[10]. وبنظر هاندال Handal، مقاتل سابق ومرشح فاشل لرئاسة سلفادور في آذار 2005، فإن النقاش الراهن لا يدور حول معارضة الكفاح المسلح بالنضال السلمي، بل يدور بالأحرى حول معرفة ما إذا كانت العمليات الانتخابية يمكنها فعلياً "أن تشكل وسيلة لوصول القوى الثورية إلى الحكم"، ومن هناك إجراء تغيير اجتماعي فعلي في الرأسمالية النيوليبرالية[11]. ويرى العالم السياسي ستيف إلنر Steve Ellner أن هناك ثلاثة استراتيجيات أساسية داخل يسار أميركا اللاتينية[12]. الأولى هي "الطريق الثالثة"، الاشتراكية-الليبرالية، التي لا تتجاوز أفق النموذج الاقتصادي القائم. وهذا الخيار يلعب دور صوت عروس البحر لتضليل العمال وإبقاء عبوديتهم وخضوعهم لأحزاب اليسار التي وصلت إلى الحكم في السنوات الأخيرة.

الإستراتيجية الثانية تدافع عن تشكيل جبهات معادية للنيوليبرالية، وعن تكتيك مراكمة القوة، خاصة عبر الحكومات المحلية (البلدية والمناطق) وشتى الاستراتيجيات الانتخابية. هذه هي الاستراتيجيات التي يدافع عنها الكثير من الأحزاب الشيوعية في أميركا اللاتينية (وعالمة الاجتماع التشيلية مارتا هارنكر Martha Harnecker)، كما كان يدافع عنها سابقاً حزب العمال البرازيلي عندما كان في المعارضة. أما الهدف المرفوع فهو تشكيل كتلة اجتماعية عريضة، تضم علاوة على القطاعات الشعبية البرجوازية الصغيرة والمتوسطة[13].

اندرج الحزب الشيوعي في تشيلي ضمن هذا الأفق، وحقق بعض النجاح في الانتخابات البلدية الأخيرة، ولكن دون أن يكون تحالف اليسار قد توصل فعلياً إلى تجاوز مرحلة التوافق الانتخابي ليجسد بديلاً قوياً يستند إلى حركة اجتماعية ما يزال بنائها مطلوباً (على مستوى القاعدة). أخيراً، وهنا الإستراتيجية الأخيرة، فإن البعض ما يزال يطالب بالاشتراكية كهدف، وبتكتيك سياسي ينشد القطيعة ومعاد للرأسمالية والامبريالية، وذلك قبل الشروع بالنضالات الاجتماعية[14]. يعتمد هذا المنهج، في البرازيل، الحزب الصغير، "حزب الاشتراكية والحرية" Parti Socialisme et Liberté بقيادة مناضلين مبعدين من حزب العمال البرازيلي، وبمجموعة متنوعة من المناضلين الاجتماعيين.

ومهما يكن من أمر، فإن الأزمة السياسية الراهنة في المكسيك تؤكد أن التكتيك الانتخابي المجرد لا يمكنه أن يشكل غاية قصوة بالنسبة لليساريين، وأن الاوليغارشيات المحلية ما تزال جاهزة لاستعمال كل المناورات لرفض احترام نتائج صناديق الاقتراع عند الضرورة، بما في ذلك بمواجهة القوى الإصلاحية صراحة والتي قدمت ضمانات كثيرة على "حسن سلوكها"[15]. ومن هنا أهمية الحوارات الجارية حول قضية السلطة. فبعض أنصار العولمة البديلة يعتقدون بوجوب "تغيير العالم دون الاستيلاء على السلطة". وهذا أيضاً ما يعلنه المثقف الانكليزي جون هولوواي[16] John Holloway. إن هذه النظرية التي تفضل السلطة المضادة النابعة من المجتمع المدني، والرافضة لكل شكل من أشكال التفويض والالتزام بالأحزاب... تستدعي النقاش. بالطبع، يتعلق الأمر هنا برد فعل مفهوم على المواقف التسلطية من القيادة على القيادة داخل الأحزاب التقليدية.

ولكن المسألة المركزية تبقى: كيف يمكن الادعاء بتغيير العالم دون الاستيلاء على السلطة، دون الانتظام سياسياً بوجه الطبقات المسيطرة، وبرفض الخوض بكل خفة في مسألة الدولة الأساسية؟ وإذا كان ثمة مسافة بين حقل السياسي ومجال الحركات الاجتماعية، ألا يكون بالتحديد تمفصل الحقلين هو الذي يحث على النضال ضد الرأسمالية النيوليبرالية؟ إن وعي هذه المسألة بدأ بالنمو داخل صفوف الزاباتيين أنفسهم. فبعد عشرين سنة من بناء استقلالية ذاتية تقتصر على السكان الأصليين، وبمواجهة اختناق مشروعهم، ومواجهة قمع السلطة المركزية، فإن الإعلان السادس لجيش التحرير الزاباتي تقدم للتو خطوة إلى الأمام. وعلى قاعدة اعترافهم بضرورة وحدة السكان المحليين "مع عمال المدن والأرياف" فهم دعون على بلورة "برنامج نضالي وطني، يساري بوضوح، ومعاد فعلياً للرأسمالية والليبرالية". وباندراجهم في النقاش السياسي الوطني المكسيكي، يقترحون أيضاً وضع الأسس لدستور جديد، ولا يدعون إلى كسب ناشطي المجتمع المدني فحسب، بل أيضاً منظمات اليسار السياسية وغير البرلمانية. سيكشف الزمن مدى مثل هذا الإعلان.

في هذا النقاش الحساس تبقى الثورة الكوبية، بعد عقود من الحصار، رمزاً لا يضاهى في نظر الكثيرين في أميركا اللاتينية. ولكن هناك اليوم نجماً آخذ في الصعود: الثورة البوليفارية التي راكمت خبرات أصيلة. ونظراً لغياب حركة عمالية قوية، فقد عرف شافيز كيف يعتمد على بعض قطاعات القوى المسلحة وقسم من الطبقات الفقيرة. ومن جهة أخرى يتبنى شافيز دينامية تجمع بين المشاركة الشعبية والانتخابات الديمقراطية، وقطيعة مع المؤسسات السابقة. ولهذا، فعلى الرغم من المحاولات الانقلابية ومناورات واشنطن، يستمر عرس الديمقراطية في فنزويلا، وبذلك تحقق الحكومة النجاحات الانتخابية وتعتمد برنامج طوارئ اجتماعي يؤتي        ثماره[17].

ولكن فنزويلا تعاني من نفس العيوب المنتشرة في القارة. وعلى النغمة النفطية فإن الإصلاحات الاجتماعية المطروحة ستحتاج، على المدى القصير، تغييرات بنيوية، ومراجعة لامتيازات المجمعات الصناعية الكبرى والأرستقراطية العقارية، وكذلك مراجعة لامتيازات البيروقراطية، المدنية والعسكرية. إن حيوية التنظيم الذاتي للطبقات الشعبية تبين أن الأمر يتعلق بعملية عميقة الجذور، ولكنها ما زالت بحاجة إلى بناء سياسي قوي لتتمكن من التقدم. إن شافيز المدعوم بطاقة هائلة وجماعية نابعة من الأوساط الشعبية يكشف عن تطور سياسي معاكس لباقي قوى اليسار في الحكومات الأخرى: انطلق من فكرة "الطريق الثالثة" الممكنة والمرغوبة، ليعمد إلى تجذير مواقفه تدريجياً. فتصريحاته في "المندى الاجتماعي العالمي" الأخير تبشر بالأمل في دعوته إلى "الثورة في الثورة"، وهي دعوة طال انتظارها... ولكم تم الإعلان عنها مرات ومرات.

وفي 30 ك2 2005، يؤكد شافيز، على خطى غيفارا، أمام حشد كله حماس، أن الحل الواقعي الوحيد هو "الاشتراكية"، كما يؤكد رفضه الحاسم لكل أشكال الرأسمالية. لا شك بأن هذا التصور، إذا شاء تجاوز الخطابة، لا يمكنه أن يتحقق إلا بمزيد من الاستناد إلى الحركة الاجتماعية المنظمة، وإلى السلطة الشعبية، وعبر تساءل جذري حول امتيازات أرباب العمل الفنزويليين وحلفائهم في الخارج، وهي امتيازات واسعة وغير مكشوفة تماماً.

إن الأمر الملازم لهذا المعطى الجديد السياسي الاجتماعي هو أيضاً ولادة محور جيواستراتيجي جديد وحيوي، هو محور كاراكاس-لاهافانا، وذلك في نفس الوقت التي تترسخ فيه خطوط التصدع السياسي في مجمل أميركا اللاتينية[18]. لقد وقع، في ك1، كاسترو وشافيز اتفاقية لتشجيع المبادلات بين البلدين: بينما أرسلت كوبا إلى فنزويلا عشرات آلاف الأطباء والمدرسين، فإن الأخيرة تزود كوبا بأكثر من 90 ألف برميل من النفط الخام يومياً بأسعار تفضيلية[19]. يندرج هذا التحالف التضامني في إطار "البديل البوليفاري لبلدان أميركا" ألبا Alternative Bolivarienne pour les Amerique الذي من شأنه أن يضم بلداناً أخرى ومجابهة "منطقة التبادل الحرة في البلدان الأمريكية"، ألكا، التي يعمل لها الرئيس بوش[20]. وفنزويلا القوية بزعامتها المتنامية بفضل دبلوماسية البترول الهجومية، تسعى إلى المزيد من المجابهة مع الولايات المتحدة، وإلى تعزيز الروابط بين بلدان الجنوب، خاصة مع البرازيل والأرجنتين، وتشجيع الحكم البوليفاري الكبير بقيادة أميركا اللاتينية[21]. إن هذه السياسة الدولية لا تخفف الحصار عن الشعب الكوبي فحسب، بل تخلق، بمعارضتها لمخططات الرأسمالية العالمية، سياقاً ملائما لسياسات أخرى معادية للامبريالية في المنطقة.

هل تنجح الثورة البوليفارية بتجاوز تناقضاتها الداخلية، وخاصة مواجهة سياسة التدخل من قبل واشنطن الساعية بكل الوسائل لسحق هذه التجربة الغنية؟ من الصعب الجواب الآن.

بيد أن المشهد الراهن يكشف لنا مروحة واسعة من الأنشطة الجماعية الغنية بالاحتمالات التحررية. ولكن بناء بدائل صلبة بمواجهة الرأسمالية النيوليبرالية يستلزم، الآن ودوماً، وحدة ومشاركة الطبقات الشعبية واستقلاليتها خاصة، وذلك بنفس الوقت الذي تستمر فيه الدينامية الراهنة للحركات الاجتماعية، عبر استمرار الحوار السياسي المفتوح، والمتحرر من العصبيات، ولكنه الحوار الذي يحسن بسرعة رفض الخيارات الاشتراكية الليبرالية من قبل اليسار الذي يزعم أن بوسعه أن يضفي وجهاً إنسانياً وملائكياً لنظام قمعي ومتراجع.

إن أفق تجديد النضال في أميركا اللاتينية يجب أن يعني، برأي اللاهوتي البرازيلي فري بيتو Frei Betto، النجاح، على المدى القصير، في التقدم على محورين معاً: النجاح بإعادة بناء نظرية "الاشتراكية بدون ستالينية، ودوغماتية، وعبادة القيادة والبنى السياسية"، وذلك مع الشروع بحمية في ممارسة جذرية مكرسة "لاستئناف العمل لبناء القاعدة بابتكار البنية النقابية، وتنشيط الحركة الطلابية، وإدخال مسائل السكان الأصليين والبيئة والمرأة والعرق على جدول أعمالها"[22].         

باريس، 26-9-2005

ترجمة فريق العرب والعولمة

 

"يوم العرق"، يوم البؤس، أو العنصرية في أميركا اللاتينية

يحتفل العالم الناطق بالاسبانية في الثاني عشر من ت1 من كل عام بوصول كريستوف كولوكمبوس إلى القارة الأميركية، ويعتبرون هذا اليوم رمزاً لحدث حضاري هو التثاقف بين الغرب الأوروبي والهنود الحمر والسود ويكرسون ذلك اليوم الاحتفالي باسم "يوم العرق". ويردون ذلك إلى نجاح كولومبس برحلاته واكتشافاته البحرية. فما قيمة ذلك الاحتفال؟

باحتفالنا بمناسبة "يوم العرق" في الثاني عشر من ت1 من كل عام، نستذكر أن سفن كريستوف كولومبس ومرسى سفن الغزاة التي جاءت "بالتعددية السياسية والحرية والحماية التي تكرموا بها على السكان الأصليين".

علينا أن نذكر أن نفس هذه السفن جاءتنا بالأمراض القاتلة، وعلى نفس أرصفة الرسو نزلت إلينا محاكم التفتيش المقدسة، ومثلها الجريمة والرعب، وبتلك السفن وعبر تلك الأرصفة تم نهب الذهب والفضة لتتكدس في جيوب قادة اسبانيا وايطاليا وهولندا، وتبني أبهة الملكيات الأوروبية.

لم يكتشف كولومبس أي أرض جديدة لأن موطننا أبيا يالا Abya Yala أو تاهوانتينسويو Tahuantinsuyo، الذي سمي أميركا، كانت له حضارة شعوبه الأصلين. وإذا ما تم التلويح بكلمة "اكتشاف"، فذلك لتبرير الاستيلاء على أقاليم غنية بالمعادن الثمينة، وكذلك يتم التلويح "بيوم العرق" للاحتفال بالمجزرة التي قام بها الأسبان بحق السكان الأصليين.

إن تعليمنا أن غزو أميركا كان مجرد التقاء سلمي للثقافات أو وصول الحضارة، هو بعيد كل البعد عن رسم صورة كاملة تكشف الحقيقة، وتقدم رواية غير حقيقية ولا تكشف شيئاً.

لقد أثلج هذا الاكتشاف صدر الاسبان والبرتغاليين والانكليز والفرنسيين، وأدى إلى التجارة بالبشر بعد تحويلهم إلى عبيد، وإخضاع هنود بلادنا إلى تغريب ثقافي باسم "الله" و"الوطن الأم".

إن ما فعله كولومبس بتعليمنا رسم إشارة الصليب باسم الإيمان المسيحي أمر رفضه البابا نفسه. ولم ينبس أحد ببنت شفة لإدانة ما لحق بالسكان الأصليين من نهب ومجازر لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية، أو حول المعتقدات والتقاليد الجديدة المفروضة بالحديد والنار.

ثمة نوع من تفوق الرجل الأبيض ينعكس، منذ 12 ت1 1492، في العنصرية الكامنة في الشعور الباطني الجماعي لأميركا، حيث الكثير من السكان المحليين والسود غير هويته ولغته واسمه، وحتى ثيابه.

وكما أن الرجل الأسود يبقى أسوداً ولو لبس الحرير، كذلك فإن المواطن المحلي يبقى هندياً حتى نخاعه الشوكي ولو حمل لقب دكتور واسم عائلة أوروبية.

هذا ما تركه الغزو والاستعمار: التهميش الاجتماعي والعرقي للسكان المحليين والسود، حيث تحول أبناء هؤلاء الغزاة والمستعمرين إلى أسياد للأرض المغتصبة، مع حقهم بامتيازات اجتماعية واقتصادية، وبالطبع مع حقهم بأن يكونوا هم الطبقة السائدة.

فهل علينا أن نحتفل بهذه الفظاعات الوحشية في الثاني عشر من ت1 من كل عام؟ ففي هذا اليوم تم الشروع بمجزرة استمرت حتى إبادة سبعين ألف من سكان البلاد الأصليين.

علينا التذكر أن الثاني عشر من ت1 1492 هو تاريخ البداية الرسمية للتصفية العرقية في أميركا اللاتينية "اللغة"!

جوانا راجي Juana Raggi، الأرجنتين

www.elcorreo.eu.org/article.php3?id_article=1888

 


[1] J.Castaneda, Utpia Unarmed, Vintage Books, 1994 et P.Monterde, Quand l’utopie ne desarme pas, Montréal, Ecosociété,2002.

[2]  جوزيه مارتي، 1853-1895، هو الشخصية التاريخية الأكثر تقديراً لدى الشعب الكوبي الذي يعتبره شهيداً كبيراً من شهداء النضال ضد الاستعمار الاسباني. استشهد في 19-5-1895 وهو يقاتل المستعمرين الاسبان، بعد حياة نضالية صاخبة تخللها اعتقاله ونفيه لعدة مرات.

[3] Voir l’éditorial de Bernard Duterme et l’article du sociologue Hernán Ouviña dans Mouvements et pouvoirs de gauche en Amérique latine, Ed. Syllepse-CETRI, Coll. Alternatives Sud, 2005.

[4] Hernán Ouviña dans Mouvements et pouvoirs de gauche en Amérique latine…, Op. Cit.

[5] Voir S. Ellner, B. Carry, The Latin American left: from the fall of Allende to Perestroika, Westview Press, 1993 et J. Petras, “La izquierda devuelve et glope”, avril 1997 (in www.rebelion.org/petras/petrasindice.htm).

[6] On y trouve parmi d’autres, les sandinistes, le FMLN, le PT du Brésil, le Front élargi d’Uruguay, la Cause R du Venezuela, la Parti révolutionnaire démocracique mexicain.

[7] A. Boron, “La izquierda latinoamericana a comienzos del siglo XXI”, OSAL, N’13, Août 2004.

[8] E. Sader, “Rendez-vous manqué avec le mouvement social brésilien”, Le Monde diplomatique, janvier 2005.

[9] D. Luhnow, “Latin America’s left takes pragmatic tack”, Wall Street Journal, 3 février 2005.

[10] Comme semble le sugggérer la prestigieuse revue fraçaise Problèmes d’Amérique latine, N’55, 2005.

[11] S. Jorge Handal, “El debate de la izquierda en América Latina”, Diario, Co Latino, 29 juillet 2004.

[12] S. Ellner, “Leftist goals and the debate over anti-neoliberal strategy in Latin America”, Science and Society, Vol.68, N’1, 2004.

[13] M. Harnecker, “Sorbe la estrategia de la izquierda en América Latina”, octobre 2004 (in www.rebelion.org/docs/5771.pdf) et la izquierda después de Seatle, Madrid, Siglo XXI, 2001.

[14] C’est aussi le cas d’intellectuels comme James Petras ou Claudio Katz. Ce dernier est l’auteur d’un livre intitulé L’avenir du socialisme (Buenos Aires, Ediciones Herramienta / Imago Mundi, 2004).

[15] Ainsi, M. Lόpez Obrador du PRD (centre gauche) et maire de Mexico, a été menace de ne pas pouvoir se presenter aux prochaines elections présidencielles, sous un prétexte juridique fallacieux. Cette annonce a lance dans la rue des centaines de milliers de personnes en avril 2005.

[16] J. Halloway, Change the world without taking power, Londres, Pluto Press, 2002.

[17] Voir par exemple, P. E. Dupret, “Fête démocratique au Venezuela”, Le Monde diplomatique, septembre2004.

[18] M. Lemoine, “Des lignes de facteur en Amérique latine”, Le Monde diplomatique, juin 2005.

[19] http://www.latinreporters.com/.

[20] http://www.alternativabolivariana.org/.

[21] وبهذا المعنى يعتبر تقدماً ملحوظاً تأسيس المؤسسة البترولية المشتركة، بتروسور، بين فنزويلا والأرجنتين والبرازيل.

[22] F. Betto, “Desafíos a la nueva izquierda”, Punto Final, N’586, mars 2005.

 --------------------انتهت.

فرانك غوديشو** Franck Gaudichaud

  الكاتب:

العرب والعولمة

  المصدر:

آذار 2006

  تاريخ النشر:

 
 
 
 



 

 

 

 

 المحتويات

 الرئيسية

 أعد حديثاً

 تكنولوجيا

 إنسانيات

 علوم

 رياضة

 أي قانون

 منوعات

 عالم البيئة

 فرضيات

 منتدى الحوار

 مؤلفات

 خريطة الموقع

 ذاكرة كالحلم؟؟

 ...

 
 

 ابحث في الموقع


 
 

 أبواب إضافية

 دليل الصحافة العربية

 لحظات في صور

 نشاطات مختلفة

 فلسطين - فنزويلا

 تعلم الإسبانية

 المعتقلون الخمسة

 صفحة توفيق شومان

 صفحة حسني الحايك

 متفرقات مقتبسة

 روابط مختارة

 

 

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة  | | اتصل بنا | | بريد الموقع

أعلى الصفحة ^

 

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

© جميع الحقوق محفوظة للمؤلف 1423هـ  /  2002-2012م

Compiled by Hanna Shahwan - Webmaster