اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
 

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 مصر، ولادة احتفالية
 

نفرتيتي

قبل أربعة آلاف وخمسمائة عام كانت أوروبا الشمالية تنهض ببطء من العصر الحجري.

على شواطئ الأبيض المتوسط لم تكن الحضارتين اليونانية والرومانية قد تعززتا بعد.

وما زالت الإمبراطورية الأشورية موعودة على ضفاف دجلة والفرات.

أما نحو الجنوب وعند الشمال الشرقي لأفريقيا كانت تقع أحداثا لا مثيل لها في القدم.

على ضفاف مياه النيل المصرية نشأت صروح الأهرام العظيمة، لتشكل شواهد على أكثر الحضارات خلودا في العالم.

عند قيام المؤرخ اليوناني هيرودوس بزيارة مصر قبل أربعة آلاف وخمسمائة عام من الميلاد، انتابته الرهبة الشديدة، فكتب يقول:

كانت العجائب أعظم من كل ما رأيته في أي أرض أخرى.

كانت أهرامات أكبر من أي بناء شيده الإنسان على وجه الأرض.

جادات السفينكس النصف إنسان ونصف حيوان. وأبراج أعمدة حجرية تسمى مسلة.

وهناك تماثيل هائلة لفراعنة قضوا منذ زن بعيد.

وموميات شيقة مكسوة بالذهب.

تجد في كل مكان الرموز الغامضة لكتاباتها المقدسة.

عاشت في هذه الهوة من الزمن حضارة ازدهرت على مدار ثلاثة آلاف عام.

كانت مصر القديمة عريقة حتى للحضارات القديمة.

تعتبر كيليوبترا التي حكمت خلال القرن الأول قبل الميلاد أقرب إلينا مما هي للفراعنة الذين شيدوا الأهرام.بلغ القدم في مصر حدا جعل الغموض يكتنف أصولها لعدة قرون مضت.

حتى أن المصريون لم يتأكدوا بدقة من عمر حضاراتهم ومن أين جاءوا.

يعتبر هيرودوس ومصر هديتا النيل.

ولكن المصريون كانوا يدركون منذ البداية أن الحياة على ضفاف النيل ستكون ثمينة.

تعزلها مساحات الصحراء الشاسعة، وهي تعتمد على نهر لا يمكن الثقة به، ومناخ قابل للتغير فجأة. كل هذه عناصر جعلت الحضارة المصرية تنصهر على واقع الظروف العصيبة.

كان المصريون يسمونها فوضى، أما في المؤخرة فكانت قوى هائلة تنتظر الانطلاق.

امتاز المصريون بالإيمان العميق على اعتبار أن الكوارث كانت تقع في أي لحظة كان.

فالنظام من صنع الآلهة وليس الفوضى.

للمحافظة على النظام وإبعاد الفوضى رأى المصريون بالملك إلها حيا هو التعبير الحي لهوروس حاكم السماء على الأرض.

وكان يقف ضده الإله العنيد سيث الذي ينذر بالفوضى.

حدد النزاع الدائم بين النظام والفوضى المصير النهائي للحضارة المصرية.

ولكن ما هي القصة الحقيقية التي تقف وراء اختفائها في القدم؟

وسط انحطاط العظمة المصرية عام ثلاثمائة قبل الميلاد، بدأ كاهن مصري اسمه مانيثو مهمة مخيفة تكمن بأول عملية جمع للتاريخ المصري بكامله.

كادت المهمة تحبط العزائم، ولكن مكتبات المعابد وجدران الأماكن المصرية التي اعتبرت مقدسة تضم أجزاء كبيرة من التاريخ المكتوب.

قبل ألف عام من ولادة مانيثو قام الفرعون سيتي الأول ببناء معبد في أبيدوس خصص لآلهة الموت أوسيريس.

وسط قاعة فيه خصصت للأجداد، نرى لوحة لابنه رمسيس الثاني يقرأ من ورق البردي.

حفر على الجدار محتوى الرسالة التي بالأحرف الهيروغليفية وهي تضم ستة وسبعون اسم ملكي وفق الترتيب الزمني.

يحيط بكل اسم لفة من الحبل بأسلوب محدد. يعرف هذا الرمز هوية الملك لدى المؤرخين المصريين.

حكم هؤلاء الملوك معا أكثر من ألفي عام من التاريخ المصري.

صنف مانيثو تاريخه باستخدام وثائق معابد كهذه ضمن ثلاثين سلالة ملكية.

أول اسم على اللائحة هو ميني.

أسس الملك ميني السلالة المصرية الأولى حوالي عام ثلاثة آلاف ومائة قبل الميلاد.

يقول مانيتو أنه حكم طوال ستون عاما وسع خلالها الحدود المصرية وفاز بشهرة عظيمة قبل أن يتغلب عليه الفرس.

حكم مصر قبل الملك ميني أنصاف آلهة سميت بأرواح الموتى، ولكن أسماؤها نسيت منذ زمن بعيد.

أين أرواح التاريخ الميت؟ أو الميثولوجيا؟

أين بدأت الحضارة المصرية فعلا؟ المفارقة هي أنها لم تبدأ على ضفاف النيل.

على مسافة سبعين ميلا إلى الغرب من النيل في عمق الصحراء يمتاز المناخ بالحرارة والجفاف، لدرجة أن الأمطار الضئيلة التي تهطل تتبخر قبل أن تبلغ الأرض.

من المحتمل جدا أن تكون عشيرة الرحل التي سكنت هذه المنطقة المنعزلة، من أجداد الفراعنة.

يترأس فريد ويندورف في جامعة ساوثيرن ميثوديست في دلاس تكساس، فريقا عالميا من علماء الآثار الذي يبحثون بين رمالا الصحراء عن مؤشرات للوجود البشري.

وقد عثروا عام أربعة وسبعون على آثار بشرية حول واحة من المياه الضحلة أسموها نبطة بلايا.

لم تمتز الصحراء بالحرارة والجفاف الدائم.

تؤكد تحاليل الفحم الإشعاعي أنه عام ثمانية آلاف قبل الميلاد تحولت الرياح الموسمية في أفريقيا نحو الشمال لتزيد من هطول الأمطار فوق الصحراء وتسمح بتشكيل بعض البحيرات الموسمية.

وقد برز من بينها بحيرة نبطة بلايا.

هنا تحيط الأعشاب بالبحيرة فتتغذى عليها المواشي، ويتخذها الناس مأوى يحميهم من حرارة الصحراء القاحلة وويلاتها.

ولكن لا وقت لهطول المطر الذي كانت البحيرة لتجف لولاه. حتى أن تخلفه ثلاثة أيام يحسم الأمر بين الحياة والموت.

أصبح البقاء على قيد الحياة رهينة كفتي الميزان عندما وقع حدث بارز.

اكتشف مساعد رئيس البعثة رومولد شيلد خريج أكاديمية العلوم البولندية، دائرة صغيرة من الحجارة، هي أقدم من مثيلاتها بألفي عام ، اعتقد أنها تستخدم رزنامة لتحديد موسم الأمطار.

بلغ وزن بعض الحجارة أكثر طن ونصف الطن، وهي ليست من نبطة بلايا. بل جلبت عبر مسافات بعيدة.

ليس من السهل على سكان الصحراء أن ينقلوا مثل هذه الصخور الهائلة التي تتطلب جهودا كبيرة ونسبة عالية من التنظيم. ولكن السؤال الأهم هنا وهو لماذا؟

يعتقد فريد ويندورف أنها قد تكون قبورا لشخصيات هامة، أو وسيلة لتبجيل أرواحها.

ربما كان شخصا يعتبرونه قادرا على التوسط لدى الآلهة لجلب المطر.

تثبت أهم الأشياء التي تم العثور عليها في الحفرة أنها ربما كانت المقر الأخير لاستراحة أحد القادة أو الحكام الكبار.

أوحت بداية أنها مجرد صخرة عادية هائلة، ولكن بعد أن تفحصها ويندورف بإمعان تبين أنها منحوتة بدائية.

يمكن أن ترى الحرص الشديد الذي نحتت به وكم هي ناعمة فوق الأسطح الحادة جدا. يمكن أن نرى كم تمكنوا من التحكم بطول القطعة بصنع الأخاديد على الوجه، كما أنهم استطاعوا باستخدام الأوتاد التخلص من القشور في المناطق التي يريدونها تحديدا.

يعتبر هذا مؤشرا واضحا للمرتبة الاجتماعية، نتيجة القدرة على التحكم بأعداد كبيرة من الرجال المطلوبين لمعالجة هذه الصخرة والمجيء بها إلى هذا الموقع، ونحت القاعدة الصخرية من تحتها، كل هذا يتطلب أعدادا كبيرة من الناس المتفرغين لفترة طويلة من الزمن لإنجاز كل هذا، ما يشير إلى أن هذا الشخص كان يتمتع بمرتبة أعلى من الآخرين.

قبل سبعة آلاف عام خرج من هنا أول نصب مصري خام من الصحراء، ليمجد ملك مخلوع،

ويأتي بالنظام إلى حيث الفوضى.

ولكن بالنسبة لشعوب نبطة بلايا كانت رمال الزمن تنفذ كليا.

حوالي عام خمسة آلاف قبل الميلاد بدأت الرياح الموسمية تتحول مرة أخرى ولكن نحو الجنوب.

توقفت الأمطار نهائيا ما أدى إلى جفاف البحيرات المشابهة لنبطة كليا.

وهكذا أجبرت العشائر على الرحيل شرقا باتجاه نهر النيل.

يعتبر النيل شريان الحياة النابض بالنسبة لمصر.

يتدفق النهر من ينابيعه شرق أفريقيا لينساب شمالا عبر أكثر من أربعة آلاف ميل قبل أن يبلغ ما يعرف بوادي النيل المصري، ويتحول إلى بحيرة طولها ستمائة ميل.

على طول المائة ميل الأخيرة يتحول إلى دلتا قبل أن يصب في مياه البحر الأبيض المتوسط.

اعتبر النيل على مدار التاريخ المصري ما يشبه البركة واللعنة في آن معا.

تؤدي الرياح الموسمية إلى أمطار غزيرة تهطل فوق إثيوبيا لتغرق الأراضي المصرية الغنية على ضفافه والتي تعرف بلقب الأراضي السوداء.

لولا النهر لتحولت مصر إلى منطقة قاحلة، لأن مياهه تجعل منها واحدة من أكثر المناطق خصوبة.

أما في الماضي فكان يصعب تحديد مستويات النهر كما هو حال الأمطار الصحراوية تماما.

حتى أن تدفقه كان يبلغ حدودا تدمر القرى.

كما ينخفض انسيابه لدرجة تهدد بالمجاعة.

للتخلص من كوارث هذه الحالة من الفوضى، توصل المصريون إلى أول روزنامة في العالم تعتمد على ثلاثة فصول، يتألف كل منها من أربعة أشهر. وهي نموذج عن التقويم الذي نعتمده اليوم.

ولكنهم هذه المرة لم يراقبوا المناخ، بل كانوا يراقبون النيل.

وقد سمي موسم تدفق المياه بالفيضان.

أما موسم الانبثاق فهو الذي يمكن فيه زراعة الحقول.

خلال موسم الجفاف، يبلغ منسوب المياه حده الأدنى، فيتم جمع الحصاد.

عمل المصريون معا في حفر الآبار، وشيدوا السدود لحماية قراهم، وتوصلوا إلى علم الهندسة البدائية لتحديد ممتلكاتهم كل عام.

عام أربعة آلاف قبل الميلاد، بعد أن استقرت شعوب النبطة في وادي النيل، بدأت تظهر أولى معالم الحضارة المصرية.

برزت أولى الأعمال الفخارية المزينة، واللوحات المصممة على أشكال حيوانات لمزج مواد الزينة.

وسكاكين من الصوان لا مثيل لها، عزز بعضها بقبضات صنعت من العاج.

بين عامي الأربعة آلاف وثلاثة آلاف قبل الميلاد ظهرت تدريجيا مملكتين بالغتي القوة.

بما أن النيل ينساب من الجنوب إلى الشمال سميت المملكة التي في ديلتا النيل بمصر السفلية، أرض نباتات البردي.

أما مملكة مصر العليا، أرض اللوطس، فازدهرت في وادي النيل.

حيكت رموز المملكتين عبر التاريخ المصري معا.

لتعني وحدة المنطقتين في أول حضارة عالمية عظيمة.

ما يحير علماء الآثار هو كيفية حصول هذه الوحدة ومتى جرت؟

تبحث رينية فريدمان من جامعة كليفورنيا في بريكلي وزملائها عن مؤشرات في موقع العاصمة القديمة لمصر العليا.

هي ما أسماه الإغريق ب هيراكونبوليس، أي مدينة الصقر، وهي أول مدينة في مصر.

سبق لنصبها وهياكلها أن رحلت منذ زمن بعيد، ولم يبقي منها اللصوص إلا النفايات.

قبل قرن من اليوم اعتقد علماء الآثار أن كل ما ترك في الصحراء هو مجرد بقايا مقابر لا تستحق استطلاعها.

ما كانوا يدركون بأن ما تخفيه الرمال يساوي ثروات من المعلومات الحديثة.

أكدت الاكتشافات الحديثة أن مدينة الصقر عام ثلاثة آلاف وخمسمائة كانت أهم تجمع بشري على ضفاف النيل.

امتدت على طول الألفي ميل مجموعات مزدهرة من المزارعين والمدراء والحرفيين وصانعي الفخار.

كان أحد صانعي الفخار ينتج الطناجر لجيرانه ويوقع عليها بغرس إبهام يده تحت الإطار مباشرة. بعد خمسة آلاف عام من ذلك ما زالت البقايا تنتشر في أرجاء الفرن.

نتيجة هاجس صناعي عابر يمكن اليوم تحديد مصادر هذه الفخاريات.

في الجانب الشمالي من المدينة انتشر مجمع صناعي هائل من المخابز وأولى مخامر التقطير المصرية المعروفة إلى جانب مستودعات تخزين القمح.

ولكن البنية الأهم في مدينة الصقر اكتشفت عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانون، عندما تعثر علماء الآثار بعدد من الحفر التي يبلغ عمق كل منها ستة أقدام، وهي بحجم يكفي لاتساع عامود خشبي يبلغ طوله عشرون قدم.

شكلت تلك الأعمدة واجهة لمقام هائل ربما شمل مجمع المعبد بكامله وحتى مدينة الصقر بأسرها.

فكان هذا أول معبد عرفه التاريخ المصري.

لم تبرز قوة الملك بشكل أوضح في أي مكان آخر. كان الملك أثناء الشعائر الرسمية يجلس على العرش ليشاهد ذبح الحيوانات التي تقدم قرابين لآلهة مدينة الصقر هوروس، راعي جميع ملوك مصر في المستقبل.

صمم المعبد ليذكر بالحيوانات التي تتمتع بقرون وأذناب، وقد انتشرت فيه لوحات ملونة وأعمدة من خشب الأرز التي ربما جيء بها من لبنان.

وهكذا شيدت جميع المعابد اللاحقة انطلاقا من نماذج مدينة الصقر.

وقد اصبح للمدينة حينها منافسا هي مدينة بوتو، عاصمة مصر السفلية.

شيدت بوتو إلى الشمال من القاهرة الحديثة على ضفاف ديلتا النيل، ولم يبقى منها اليوم إلى تلال كبيرة من التراب والحطام، وهذه الحجارة والتماثيل التي تعود إلى ما بعد ذلك بألفي عام.

ولكن علماء الآثار وجدوا في هذه المنطقة قطع من مئات الفخاريات التي تعود إلى فترة مدينة الصقر نفسها، إي إلى عام ثلاثة آلاف وخمسمائة قبل الميلاد.

تتولى دينا فالتينغ من معهد الآثار الألماني مسؤولية الحفريات، وهي خبيرة في دراسة الفخاريات القديمة.

عندما جمعت قطع الفخاريات وقارنتها بتلك المصنوعة في مدينة الصقر توصلت إلى اكتشاف مدهش.

كانت بوتو في عصورها المبكرة موطنا لعدد من الثقافات.

كانت الفخاريات المصنوعة في بوتو أقل تعقيدا من تلك المصنوعة في مصر العليا.

كانوا يضعون كتلة من الفخار في القاع يضيفون إليها شرائح مستقيمة ليضغطونها معا ثم يحرقون السطح لإغلاقها. مقابل ذلك لدينا قطعا استوردت من مصر العليا كهذا الطبق، الذي يتمتع بشيء من الأناقة، ونوعية يمكن أن تسمع رنينها لنلاحظ أنها أشد تماسكا، وهذا ينجم عن استخدام تكنولوجيا أفضل بكثير. كانوا في مصر العليا يملكون أفران أفضل من تلك التي في مصر السفلية. وهذا ما كان يلاحظه بوضوح طبعا العاملين في صناعة الفخاريات في مصر السفلية، لهذا حاولوا تقليد هذه الأطباق. ولكن تقنياتهم ومهاراتهم المتدنية حالت دون تحقيقهم لأي نجاح يذكر.

كشف عمل دينا فالتينغ في بوتو أن تفوق ثقافة مصر العليا عام ثلاثة آلاف ومائتين قبل الميلاد اجتاحت مصر السفلية فتوحدت الملكتين معا.

ولكن هل جرت هذه الوحدة سلمية؟

أم أنها كانت دموية؟

اعتبر توحد الملكتين على ضفاف النيل حجر الأساس في الحضارة المصرية. أما السبيل إلى هذه الوحدة فهو سؤال يؤرق الجميع. لم يتوصل علماء الآثار إلى أكثر من دليل واحد عثر عليه في مدينة صقر عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين.

تعود لوحة المراسيم الفاخرة هذه إلى عام ثلاثة آلاف ومائة قبل الميلاد، وقد صنعت من صخر الأردواز.

خصصت هذه اللوحة لملك مصر العليا المسمى نارمر والذي يعتقد البعض أنه الملك ميني الأسطوري، وأول فراعنة مصر.

على جانب من اللوحة يبدو نارمر يعتمر التاج البصلي، وهو على وشك أن يضرب سجينا بحضور هوروس إله مدينة الصقر.

على الجانب الآخر من اللوحة يبدو نارمير وهو يعتمر التاج يعلوه اللسان وهو يمر عبر صفين من الأسرى المقطوعة الرؤوس.

يرمز تشابك عناق الأسود الطويلة إلى الوحدة.

أما السبيل لفهم لوحة نارمر فتكمن في التيجان.

اعتمر ملك مصر العليا تاجا أبيضا تعلوه أطراف بصلية.

أما مصر السفلية فكان اللسان يزين تاجها.

وهما معا يشكلان تاج مزدوج، ما يعني أن الفرعون قد تحول إلى سيد للمنطقتين معا.

على مدار ثلاثة آلاف عام بعد التوحيد، ظهرت صورة الملك وهو يعتمر التاجين على التماثيل وفي معابد جميع أرجاء مصر، ليعزز حكمه في جميع أرجاء البلاد.

يبدو أن لوحة نارمر جاءت لتؤكد حصول الوحدة، ولكن بعد غزو دموي. ولكنها بقيت لقرن كامل الدليل الوحيد على ذلك حتى عثر على قطعة أخرى في أبي دوس وهي أقدم مقبرة ملكية في مصر.

ساد اعتقاد بأن هذا هو مكان الراحة الأخير لأوسيريس، إله الموت، وقد نثرت على أرضه أطباق محطمة، هي بقايا من القرابين التي قدمت لأكثر الآلهة أهمية في مصر.

حفر الفراعنة قبورا لهم أو شيدوا الأهرامات منذ زمن بعيد في وادي الملوك، وقد دفن أوائل الحكام هنا في قبور شيدت من حجارة طويلة مصطفة.

بعد أن استنفذت جميع الحفريات فيها مع بداية هذا القرن ساد اعتقاد بأن أبي دوس قد سلمت جميع أسرارها، حتى عام سبعة وسبعين، عندما عاود عالم الآثار الألماني غونتر دراير حفر المنطقة من جديد.

وقد عمل منذ ذلك الحين مع فريقه على إعادة حفر قبود عدد من الملوك بما في ذلك قبر الملك نارمر.

تحمس دراير جدا لاكتشاف ختم من العاج. عادة ما كانت هذه الأختام تعلق على جرار الزيت. رغم حجمه الصغير جدا فهو يحمل مفاجأة كبيرة.

يبدو أنه يصور الحدث المرسوم على لوحة نامير.

عثر على ختم عاجي للملك نامير بالقرب من مقبرته. كانت هذه الأختام تحدد تاريخ شحن الزيت. كان التاريخ في ذلك الوقت يحدد بأسماء السنين، التي كان يتم اختيارها بناء على أهم الأحداث التي تقع فيها. في هذه الحالة يرد القول أنه عام انتصار الملك نارمير على شعب الدلتا.

ولا شك أنه العام نفسه الذي صور على لوحة الملك نامير الشهيرة. من هنا يمكن أن نستخلص بأن لوحة نامير تشير إلى حدث تاريخي فعلي وقع في عام محدد.

ولكن الختم ليس إلا قطعة في أحجية، إذ يوحي اكتشاف آخر في أبي دوس إلى أن عملية الوحدة قد بدأت قبل فترة طويلة من عهد نارمير.

عثر دراير تحت هذه الأنقاض الهائلة، على قبور لملوك يعود عهدها إلى ما قبل السلالات المصرية التي يسميها علماء الآثار بسلالة الصفر.

عثر في هذه القبور على أختام أشد إثارة للدهشة من الأولى.

يتضح عبر العاج هنا أن المصريون قد طوروا نظاما كاملا للكتابة، وذلك قبل زمن مما كان يعتقد أصلا، بل وقبل العصور السامرية بين النهرين، التي يقال أنها كانت أول حضارة تتوصل إلى اللغة المكتوبة.

أولى الكتابات السامرية التي نراها هنا هي نظام حسابي يتألف من صور بسيطة وعدد من الأرقام. أما الكتابة المصرية فكانت تضم إشارات صوتية كالأحرف الحديثة.

تمثل الهيروغليفية على هذه الأختام بمجملها أصوات.

فالحية تمثل صوت الجيم. وهي حين تضم مثلثين تلفظ دجو، لتعني بذلك جبل.

كتب على الرمز عبارة جبال الظلام، وهي تعني الغرب، حيث تغرب الشمس.

تؤكد الهيروغليفية على أختام أخرى أن الملك كان يجمع الضرائب من مصر العليا والسفلية معا. ما يؤكد بأن الوحدة كانت أمرا واقعا.

شيدت عاصمة جديدة لتعزيز المملكة تحديد عند نقطة اللقاء عند الحدود بين المنطقتين.

تأسست المدينة على يد الملك ميني الذي يعتقد علماء الآثار أنه الملك التاريخي نارمير نفسه. وقد شيدت مدينة ميمفيس لتكون أعظم مدينة في المنطقة.

بداية الآذان.

حكم الفراعنة مصر طوال ثلاثة آلاف عام من مدينة ميمفيس.

ومع ذلك لم يبق منها اليوم إلا أطلال، لا ينتمي أي منها إلى عصر الملك نامير.

اعتقد علماء الآثار منذ زمن بعيد أن العاصمة القديمة شيدت هنا منذ البداية.

نهاية الآذان.

ولكن ديفيد جفري من جمعية الاستطلاع المصرية يعتقد أن ميمفيس شيدت في مكان آخر، وقد أمضى تسعة أعوام في البحث عنها.

استخدم مقدح يدوي لانتزاع نماذج من الحقول التي تبعد ميلين إلى الغرب من الأطلال.

كشفت النماذج عن طبقات أساسية من الأشياء الموجودة على عمق عشرة أقدام تحت سطح الأرض.

ما الذي يجبر عاصمة الأمة الأولى بما فيها من قصور ومعابد ومبان إدارية ومنازل بأن تنتقل من مكانها؟

قوتين طبيعيتين هما الصحراء والنيل.

كان النهر يغطي منطقة قريبة من حدود الصحراء، وقد رفعت المدينة على طولها، أي أنه مع هبوب الرياح الرملية من غرب الصحراء، وانحراف النهر تدريجيا نحو الشرق، تبعته المدينة إلى حيث نجد أطلالها على مسافة ثلاثة كيلومترات من الوادي.

تسببت الفوضى التي أثارها انحراف النيل من جهة واجتياح الصحراء من الجهة الأخرى بقلق أصاب المصريين على مدى التاريخ.

وكانوا للتغلب على ذلك الخطر الداهم يمنحون الثقة بكاملها لرجل واحد، ومعه القدرات الإلهية.

منح المصريون ملوكهم القوة الكاملة لحماية أنفسهم من الكوارث، حتى عبدوه كإله، على اعتبار أن الإله وحده يمكن أن يتحدث مع الآلهة، وأنه وحده القادر على تفادي الكوارث.

لحفظ النظام، الذي سمي معط، جسد هذا على شكل آلهة متوجة، تعتر ريشة فوق رأسها، يقوم الفرعون معها بشعائر يومية.

شيد الملك إرضاء للآلهة معابد مزينة ومفروشة وضع فيها الطعام والشراب إلى جانب قرابين أخرى.

كانت الفوضى تعم بأشكال متعددة.

يمكن أن تعبر عن نفسها بعاصفة عنيفة.

ورياح رملية تضرب من الصحراء.

أو بعدو أجنبي.

تتكرر ملامح الفراعنة كمحاربين منتصرين مرة بعد أخرى على مدار التاريخ المصري.

ظهرت هذه اللوحة لرمسيس الثاني في معبد شيد بعد ألفي عام تقريبا على غزو الملك نارميل لمصر السلفية.

ربما لم يقد رمسيس أي جيش في معركة.

أي أن الصورة أقرب إلى الرمز منها إلى الحقيقة.

هي رسالة إلى جميع من رآها تقول أن الملك قد وفى بعهده المقدس في حماية معط، كنظام مقدس.

على الأرجح أن يكون الفراعنة قد أشرفوا على حملاتهم العسكرية عبر المسافات.

عام ألفين ومائتين وثمانين قبل الميلاد أمر ضابط بلاط اسمه ويني بأن تحفر سيرته الذاتية على جدران قبره. يقص ويني في مذكراته الطريقة التي تعامل بها فرعونه الملك بيبي مع قبائل السلب الرحل.

عندما تحرك جلالته لمحاربة قبائل الصحراء الشرقية، جند جيوشا من عشرات الآلاف من مصر العليا، يقودهم النبلاء والزعماء والقادة. وقد كنت أنا على رأسهم جميعا.

عاد هذا الجيش بسلام بعد أن تخلص من الصحراويين وسلب الغنائم من موطنهم وأشعل النار في مساكنهم. وقد كافأني جلالته على ذلك أعظم مكافأة.

كان للفوضى أن تنطلق من حيث لا تدري رغم القوة المخيفة والمدمرة هناك.

على مسافة قريبة من موقع ميمفيس القديمة وفي مقلع حجارة في حلوان، على مسافة عشرون ميلا إلى الجنوب من القاهرة، نجد أقدم سد في العالم.

رغم صعوبة رؤيته بعد أربعة آلاف عام، إلى أن هذه الأكوام الكبيرة من الحجارة كانت جزء من مشروع هندسي هائل صمم للتحكم بالفيضانات.

إعجاب غونتر دراير بالتكنولوجيا المصرية المبكرة دفعته لدراسة هذه السد بالتفصيل.

تبين له أن بناء السد تطلب خمسمائة رجل على مدار عشرة أعوام، لجمع مائة وأربعة وثمانين طنا من الحجارة في هذا المكان.

وكان السد على جميع الأحوال محاولة كبيرة لوقف الكوارث الناجمة عن الفيضانات.

ولكنه لم ينجح لسوء الحظ.

انتشر السد عبر الوادي وقد بلغ طوله ثلاثمائة وثلاثون قدم، بارتفاع اثنين وأربعين قدم. وقد شيد بطريقة صلبة.وكان طوله عند التقاطع في القاعدة ثلاثمائة قدم، وفي القمة مائة وخمسون قدم. كان يتألف من ثلاثة أجزاء. في الوسط طبقة من الرمال، وعلى الجانبين صخور قاسية تغطيها جدران من الصخور الكلسية. من سوء الحظ أنه تم اجتياح السد قبل انتهائه. وصلت المياه إلى هنا حيث دمرت الجانب الذي لم ينجز بعد، وخلال بضع دقائق تدفقت كميات كبيرة من المياه نحو الوادي لتدمر كل البنى السفلية، وهكذا ذهب عمل خمسمائة رجل طوال عشرة أعوام سدى.

شكل ذلك بالنسبة للمصريين الذين قاموا بتشييد السد ناقوس يذكرهم بالقوة المدمرة للطبيعة، وبالتالي حاجتهم الماسة للمراقبة الدائمة.

وحدها رؤية المصريين الفريدة للكون، المحددة من قبل البيئة، هي التي أبقت على أكثر الحضارات خلودا في العالم.

وكان الملك يتوسط كل ما فيها.

عبر المهارات التي توارثوها من أجداده وسط الصحراء وعلى ضفاف النيل المتغيرة، استطاع المحافظة على توازن عالمه بالعدالة والرأفة.

كافح الكوارث الناجمة عن الطبيعة، والتمرد الاجتماعي وحتى القوى الخارقة.

ولكن في الختام كانت هناك نهاية واحدة، المعركة الحاسمة مع الفوضى التي لا يفر من براثنها أحد.

رغم أن الملك كان إلها إلا أنه كان بشرا في آن معا.

كان الموت نهايته الحتمية.

لتفادي هذه الفاجعة أمر المصريين بجلب صخورا كبيرة إلى حدود الصحراء.

شيئا فشيئا أخذ ينمو نوع جديد من النصب التي ترمز إلى نصر الملوك النهائي.

نصر الخلود والعيش الأبدي.

وهكذا بدأ عصر بناء الأهرامات.

--------------------انتهت.

إعداد: د. نبيل خليل

 
 
 
 



 

 

 

 

 

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة  | | اتصل بنا | | بريد الموقع

أعلى الصفحة ^

 

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

© جميع الحقوق محفوظة للمؤلف 1423هـ  /  2002-2012م

Compiled by Hanna Shahwan - Webmaster