اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
   

 

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت العالم العربي
 

الشرق الاوسط الجديد اضغط الصورة لتكبيرها

 

قراءة جديدة في أوراق قديمة ...

 

د. حسن نافعة

(مقالات منشورة في العام 2007)

أعتقد أن كثيرين مثلي يشعرون بقلق بالغ تجاه ما يجري فوق الأرض العربية ويطرحون تساؤلات حائرة حول ما عسى أن يكون عليه مستقبل منطقة أصبحت تمثل مسرحاً كبيراً لأكثر الأزمات سخونة في العالم. ففي العراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان يتعرض ملايين المواطنين يوميا للقتل والتنكيل، أو للسجن والتعذيب، أو للطرد والتهجير، أو للقمع والترحيل، أو للجوع والتشريد. ولا تكاد أصوات الانفجارات تهدأ في مكان هنا حتى تدوي من جديد في مكان آخر هناك، بل إن دور العبادة نفسها والتي كانت دوما هي الملاذ الآمن لكل من يحتمي بها لم تصبح مجرد ساحات للمطاردة والقتل على الهوية وإنما تحولت في ذاتها إلى أهداف للقصف والتدمير. ووسط الركام الناجم عن تلك الفوضى الهائلة، يبدو الكل ممسكاً بخناق الكل من دون أن يدري أحد من يحارب من بالضبط ولا لأي هدف أو غرض يحارب. لكن أكثر ما يثير الانزعاج هو أن الأزمات الحادة التي تمسك بخناق الدول التي سبقت الإشارة إليها تتجه نحو التصعيد والتعقيد والانتشار بفعل العدوى وتشابك المصالح والعلاقات وليس للتهدئة أو الانفراج. فإذا ما نحينا هذه الدول جانبا وألقينا نظرة سريعة على بقية الدول العربية التي لم نسمها وتبدو هادئة فوق السطح لا تسمع في جنباتها أصوات انفجارات أو تسيل فوق شوارعها أنهار من الدماء، فسوف نكتشف أنها ليست بدورها حصينة أو منيعة. فالمتابع الدقيق لما يجري في داخلها سرعان ما يكتشف أنها تغلي في العمق وأن أزماتها الكامنة تحت السطح تبدو قابلة للانفجار في أي لحظة.

ولا جدال في أن للأزمات التي تعم العالم العربي، المتفجرة منها والكامنة، جذوراً وأسباباً تبدو مختلفة، لكن رابطاً دقيقا يجمعها في الواقع وتبدو في سبيلها للتحول، إن لم تكن تحولت بالفعل، إلى حروب أهلية يخشى أن تؤدي إلى إعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات تنشأ وفق أسس طائفية أو عرقية أو مذهبية. والسؤال: لماذا وصلنا إلى هذا الوضع؟ وهل هو ناجم عن عوامل تدمير ذاتي أم بفعل فاعل ووفق عمل مخطط وممنهج ومقصود؟

أعلم تمام العلم أن مجرد طرح هذا النوع من الأسئلة يثير لغطاً حاداً بين أوساط النخبة العربية، وأن أي محاولة للإجابة عليها سوف تخضع حتما للفرز والقولبة التقليديين اللذين يفضيان بها للتصنيف داخل إحدى مدرستين لا ثالث لهما: مدرسة المؤامرة، ومدرسة القصور الذاتي. ومن المعروف أن لدى المدرسة الأولى تفسيراً جاهزاً لكل كارثة أو مشكلة وتلقي بمسؤوليتها دائما على قوى خارجية كارهة للعالمين العربي والإسلامي، على رأسها إسرائيل والولايات المتحدة بالطبع، ليس لديها ما يشغلها سوى وضع الخطط تلو الأخرى للتآمر على العرب والمسلمين والعمل على إضعافهم وإخضاعهم. ومن المعروف أيضا أن لدى المدرسة الثانية تفسيراً آخر يقف على طرف نقيض وينزع دوما نحو إلقاء اللائمة على أوجه قصور وتناقضات ذاتية كامنة في بنية النظم العربية والإسلامية نفسها. ولأن كلاً من المدرستين لا هم لها سوى نفي الأخرى وتحقيرها، فكان من الطبيعي أن تنشأ حال استقطاب فكري تصيب بالرعب كل من يحاول تجاوز أطروحاتهما التبسيطية وطرح تفسيرات أكثر شمولية وعقلانية. وكانت النتيجة إغفال مدرسة المؤامرة كليا لأوجه القصور الذاتي في بنية النظم والسياسات العربية والإسلامية وكأنها ليست موجودة أو مسؤولة عن بؤس الحال الذي وصلنا إليه، وتسفيه المدرسة النقيضة لأي حديث يشير، ولو تلميحاً، إلى مؤمرات خارجية تحاك ضد العالم العربي، وكأنها أيضا ليست موجودة أو مسؤولة عن الكثير مما تعانيه الأمة.

وأظن أنه آن الأوان لتجاوز حال الاستقطاب الخطرة هذه وتمحيص ما يجري على الساحتين العربية والإسلامية من مختلف الزوايا والأبعاد داخلية كانت أم خارجية كي تتضح الصورة كاملة. فليس بوسع أي خطط تآمرية تحاك للعالمين العربي والإسلامي، والتي لا نشك لحظة في وجودها على نحو دائم ومكثف، أن تنجح جزئيا أو كليا لولا أوجه قصور عديدة ظاهرة وكامنة في بنى وسياسات الأنظمة العربية والإسلامية. وانطلاقا من هذا الاعتقاد يبدو لي ضروريا أن نناقش هنا طريقة تفكير العقل الصهيوني وإدراكه لطبيعة التحديات المستقبلية التي تواجه مشروعه لبناء دولة يهودية كبرى ومهيمنة في المنطقة وللسبل والوسائل التي يعتقد أنها متاحة وكفيلة، إذا ما أحسن استخدامها، للتغلب على كل ما يواجهه من تحديات.

ولإلقاء الضوء على هذه القضية اخترت مقالاً بعنوان: «استراتيجية من أجل إسرائيل في الثمانينات: A Strategy for Israel in the Nineteen Eighties كتبها باللغة العبرية صحافي وديبلوماسي إسرائيلي سابق يدعى أوديد ينون Oded Yinon، ونشرتها في شباط (فبراير) 1982 صحيفة Kivunim، ومعناها بالعربية «اتجاهات»، ثم تنبهت لها رابطة الخريجين العرب الأميركيين وكلفت البروفيسور والناشط الحقوقي الإسرائيلي المعروف إسرائيل شاهاك، أستاذ الكيمياء العضوية في الجامعة العبرية ورئيس الرابطة الإسرائيلية للحقوق الإنسانية والمدنية، بترجمتها إلى الانكليزية وكتابة مقدمة وخاتمة لها ونشرتها تحت عنوان «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط «The Zionist Plan for the Middle East».

يتساءل البعض عن مبررات الاعتماد على مقال كتبه صحافي مغمور، حتى ولو كان موظفاً سابقاً في وزارة الخارجية الإسرائيلية، والتعامل معه وكأنه وثيقة رسمية صادرة عن الحركة الصهيونية أو الدولة الإسرائيلية، بدلاً من الاعتماد على وثائق صادرة عن جهات أو شخصيات رسمية لا تخلو عادة من مادة غزيرة يمكن الاستناد إليها في هذا الصدد. ولهؤلاء أقول إن البروفيسور شاحاك نفسه، وهو الدارس المتعمق للفكر الصهيوني، هو الذي أكد في مقدمة ترجمته الإنكليزية أن مقال ينون يعد، برغم كل ما تضمنه من قصور وتعميمات، أشمل ما كتب في هذا الموضوع ويعبر بدقة عن التيار الرئيسي في الفكر الصهيوني ويعكس بأمانة ما يجول داخل التيار الرئيسي للعقل الصهيوني في ما يتعلق بخطط تفتيت العالم العربي. وربما كانت هذه القناعة هي التي دفعته إلى اختيار عنوان مثير للطبعة الإنكليزية التي نشرتها رابطة الخريجين العرب الأميركيين وهو «الخطة الصهيونية» مع الاحتفاظ بعنوان ينون على رأس مقاله المترجم.

وربما يتساءل آخرون: وهل يعقل أن تنشر الحركة الصهيونية خطة تفصح عن نياتها الحقيقية، حتى ولو بالعبرية؟ ومرة أخرى يتولى شاحاك بنفسه الإجابة عن هذا التساؤل طارحا تفسيرين، الأول: أن قصد الحركة الصهيونية من نشر هذه الوثيقة بالعبرية هو تثقيف الأجيال الجديدة للنخبة الإسرائيلية، خصوصاً العسكرية منها، بما يدور في عقل الأباء المؤسسين وتوعيتهم بأمور كانت تقتصر في ما مضى على تلقين شفهي تتناقله الأجيال ثبت أن له عيوبا ومحاذير كثيرة. والثاني: عدم ثقة في قدرة العقل العربي على التعامل الواعي مع ما تنطوي عليه خطط من هذا النوع من تهديد لمصالحه الاستراتيجية، حتى بعد نشرها، بسبب غياب أطر فاعلة لاتخاذ القرار وسهولة إدخال العقل العربي في متاهات مضللة.

فإذا ما حاولنا الآن تركيز الضوء على مقومات الاستراتيجية الصهيونية والأسس التي تقوم عليها، فسوف نجد أنها تنطوي على خطين أساسيين، الأول: رؤية الحركة الصهيونية لبنية المنطقة المحيطة بها على الأصعدة والمستويات كافة، خصوصاً الديموغرافية والاجتماعية والثقافية. والثاني: رؤية الحركة الصهيونية لأمن الدولة اليهودية وللوسائل التي تعتقد أنها كفيلة بتحقيق هذا الأمن على نحو مطلق، والذي هو غايتها النهائية.

وحول المحور الأول ترى الحركة الصهيونية أن العالم العربي، بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، لا يشكل كتلة واحدة متجانسة إثنيا أو دينيا أو اجتماعيا، وإنما منطقة شديدة التنوع تتكون من «موزاييك» من دول تتصارع في داخلها قبائل وطوائف وأقليات قومية وعرقية ودينية ومذهبية وغيرها، وأن الوحدات القائمة حاليا والتي يطلق عليها اسم «الدول العربية» صنعتها مصادفات تاريخية وسياسية نجمت عن محصلة التفاعل بين أطماع وطموحات قوى ومصالح خارجية (الاستعمار التقليدي الذي ورث الإمبراطورية العثمانية) وداخلية (القبائل والعشائر والحركات السياسية والاجتماعية)، كما ترى الحركة أن هذه الوحدات ليست قابلة للدوام بوضعها الحالي ويمكن بالتالي، بل يسهل، تفكيك وإعادة تركيب المنطقة على أسس جديدة مختلفة.

وحول المحور الثاني ترى الحركة الصهيونية أن أمن إسرائيل لا يتحقق من خلال التفوق العسكري وحده، رغم أهميته القصوى، ومن ثم فإن الحاجة ماسة لتفكير استراتيجي جديد ومختلف. ووفقا لهذا التفكير يتعين على الحركة الصهيونية أن لا تسمح بقيام أو استمرار وجود أي دولة مركزية كبرى في المنطقة وأن تعمل كل ما في وسعها لتفتيت ما هو قائم منها وتحويله إلى كيانات صغيرة تقوم على أسس طائفية أو عرقية. فإذا نجحت في ذلك تكون ضربت عصفورين بحجر واحد، الأول: أن تتحول إسرائيل نفسها إلى دولة طبيعية تقوم على أسس لا تختلف عن بقية الدول المجاورة، والثاني: أن تصبح إسرائيل هي الدولة الأكبر والأقوى والأكثر تقدما وبالتالي تأهيلا وقدرة على قيادة المنطقة والسيطرة على تفاعلاتها، وهو ما يمكن أن يسمح لها بأن تلعب دور ضابط الإيقاع الذي يتولى تنظيم وضبط علاقات المنطقة وفق رؤاها ومصالحها الخاصة.

ورغم أنه سبق لي أن أشرت في كتابات سابقة إلى مقال ينون، إلا أنني أعتقد أن هذا المقال - الوثيقة يستحق أن يعرض ويناقش بشكل تفصيلي. أما أسبابي لذلك فهي عديدة ويمكن تلخيصها وعرضها على النحو التالي:

1- إن المقال - الوثيقة نشر للمرة الأولى بعد سنوات من توقيع مصر على معاهدة سلام مع إسرائيل، وبعد شهور من اغتيال السادات، وقبل شهور من إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء (25 نيسان - ابريل 1982). وعندما قامت إسرائيل بغزوها الشامل للبنان بعد أقل من أربعة أشهر على نشره تصرفت أثناءه وكأنها تطبق حرفيا ما ورد في هذه الخطة. وربما كان هذا هو السبب الذي دفع رابطة العرب الأميركيين إلى الاهتمام بهذا المقال وترجمته ونشره في نهاية هذا العام نفسه، وحسنا فعلت.

2- بات الآن واضحا، وبما لا يقبل أي مجال للشك، أن الحركة الصهيونية بقيادة إسرائيل لعبت دورا محوريا في جر الإدارة الأميركية الحالية إلى غزو العراق، وأن الإدارة الأميركية تصرفت في العراق وكأنها أداة في يد حركة صهيونية تضع تقسيم العراق على رأس أولوياتها باعتباره مقدمة لإعادة رسم وتخطيط المنطقة.

3- من حق الأجيال الشابة من المواطنين العرب علينا أن ننبهها إلى ما يحاك لأوطانها وأن نحثها على دراسة ومناقشة كل الآراء، بما فيها تلك التي تبدو مسكونة بنظرية المؤامرة، حتى لا تفاجأ ذات يوم بأن مستقبلها ضاع وأن أوطانها سرقت منها.

وفي ضوء ما سبق، أستأذن القارئ في أن أخصص المقالات الثلاث التالية لمناقشة ما جاء في هذا المقال الوثيقة تفصيلا وأقترح تقسيمها على النحو التالي. المقال الأول: يخصص لمناقشة المخططات الصهيونية تجاه مصر وتطلعها لاستعادة سيناء، من ناحية، ولتفتيت ما تبقى منها وتقسيمه، من ناحية أخرى، إلى دولتين إحداهما قبطية في الجنوب والأخرى سنية في الشمال. أما المقال الثاني: فنخصصه لمناقشة المخططات الصهيونية تجاه المشرق العربي، وبخاصة الأردن ولبنان وسورية والعراق. والثالث: نخصصه لمناقشة المخططات الصهيونية في كل من منطقة الخليج العربي والشمال الإفريقي. ولا أعتقد عند قيامي بهذه المهمة أنني أشارك في بيع نظرية المؤامرة وإنما في تبصير شبابنا بمخاطر حقيقية.

-----------------------------------------------------------

قراءة جديدة في أوراق قديمة «2 - 4» *

الثلاثاء، 10 يوليو/تموز، 2007

مصر في الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت المنطقة

 حسن نافعة

 

أشرت في المقال السابق الذي بدأت به هذه السلسلة من المقالات المخصصة للتعريف بملامح الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت العالم العربي ، إلى أن دراسة أوديد ينون المنشورة عام 1982 تعد الأكثر شمولا وتفصيلا عن حقيقة ما يدور في تلافيف العقل الصهيوني حول سبل إدارة الصراع مع العالم العربي وأكثرها فاعلية في تمكين المشروع الصهيوني من تحقيق الانتصار النهائي بإقامة دولة يهودية كبرى ومهيمنة في المنطقة ، وشرحت أسباب مطالبتي بالتعامل مع هذه الدراسة كخطة فعلية للحركة الصهيونية وليس كمجرد وجهة نظر لكاتب يهودي مغمور أو دبلوماسي إسرائيلي سابق.

وأود أن أعيد التذكير هنا بأن دراسة ينون المشار إليها نشرت أولا باللغة العبرية في فبراير 1982 بعنوان: "استراتيجية إسرائيل في الثمانينات Eighties , Strategy for Israel in the Nineteen في مجلة تعنى بالشأن اليهودي وبالحركة الصهيونية اسمها Kivunim, ومعناها باللغة العربية اتجاهات أو directions, وأن جمعية الخريجين العرب الأمريكيين اهتمت بها عقب الغزو الإسرائيلي للبنان وكلفت البروفيسور إسرائيل شاحاك ، الناشط الإسرائيلي المعروف ، بترجمتها إلى اللغة الانجليزية ، وهو الذي كتب للطبعة الإنجليزية مقدمة وخاتمة ونشرها تحت عنوان "الخطة الصهيونية للشرق الأوسط The Zionist Plan for the Middle East" للتأكيد على أن ما كتبه ينون حينئذ كان أكثر من مجرد وجهة نظر شخصية لصحفي أو لدبلوماسي إسرائيلي سابق. إن أول ما يصدم المرء عند مطالعته لورقة ينون هو موقع مصر المركزي في استراتيجية الحركة الصهيونية لتفتيت العالم العربي. فرغم أن ينون كتب ورقته بعد حوالي خمس سنوات من زيارة الرئيس السادات للقدس وأربع سنوات من توقيع مصر على اتفاقيتي كامب ديفيد وثلاث سنوات من دخول معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية حيز التنفيذ ، ورغم علمه التام بأن توقيع مصر على معاهدة سلام مع إسرائيل كلفها تضحيات هائلة وتسبب في عزلتها عن العالم العربي وفقدانها لجزء كبير من هيبتها الدولية ومن مكانتها بين الأمم ، إلا أن ذلك كله لم يشفع لمصر أو يجنبها شر ما كانت تحيكه لها الحركة الصهيونية من مخططات. فمن الواضح تماما أن صورة مصر لدى هذه الحركة لم تتغير بعد معاهدة السلام عما كانت عليه قبلها.

كان من الواضح أن ينون يدرك أنه ليس بوسع أي استراتيجية لتفتيت العالم العربي أن تنجح إلا إذا كان باستطاعتها إضعاف الدولة التي تشكل ثلث سكان هذا العالم والمرشحة الطبيعية لقيادته وزعامته. 

لذا فقد كان من الطبيعي أن يحاول إثبات أن مصر ضعيفة وأنها قابلة للتفكيك وليست في الواقع سوى نمر من ورق وبالتالي فليس بوسعها أن تحمي العالم العربي من التفكك والسقوط. ولإثبات نظريته هذه ، قدم ينون ثلاث أطروحات: الأولى: تتعلق بطبيعة النظام السياسي المصري ، والتي حاول فيها إثبات أنه نظام عقيم ومفلس ويتمتع بدرجة عالية من عدم الكفاءة ، وأن جهاز الدولة في مصر وصل إلى درجة من البيروقراطية والتعقيد جعلته يبدو عاجزا تماما عن القيام بأي مبادرة أو تحقيق إنجاز يذكر في أي مجال من المجالات. ورغم تسليم ينون بأن الجيش المصري يمثل حالة استثنائية وأن بمقدوره أن يفلت أحيانا من القبضة الرهيبة للبيروقراطية المصرية ، كما فعل في حرب أكتوبر 1973 ، إلا أنه ادعى أن بقية القطاعات باتت في حالة يرثى لها ومشغولة بالمحافظة على بقائها وإعادة إنتاج نفسها إلى الدرجة التي تجعل الدولة نفسها شبه مشلولة وعاجزة عن تحقيق القدرة على الانطلاق . الثانية: تتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي والتي ادعى فيها أن مصر دولة غزيرة السكان ، شحيحة الموارد ، ومتخلفة علميا وتكنولوجيا وتكاد لا تجد ما يسد رمق سكانها الذين ما زالوا يعيشون بأعداد هائلة على رقعة محدودة من الأرض الزراعية لا تتجاوز سوى نسبة ضئيلة جدا من إجمالي المساحة الكلية للبلاد. 

صحيح أن المعونة الأمريكية تساعدها على التخفف من أعبائها ، لكن هذه المعونة ترتبط عضويا في رايه بعملية السلام وبالتالي فهي مؤقتة بطبيعتها ومن الصعب ضمان استمار بقائها طويلا. على صعيد آخر اعتبر ينون أن النظام الاجتماعي المصري يقوم على أسس طبقية وينطوي على مظاهر تمييز عديدة تمكن شريحة محدودة جدا من السكان من مضاعفة ثرواتها بسرعة والاستحواذ على النسبة الأكبر من إجمالي الدخل القومي في الوقت الذي يزداد فيه فقر الأغلبية الساحقة من السكان يوما بعد يوم، ولأن نظامها الخدمي ، وخاصة التعليمي والصحي يبدو متهالكا هو الآخر ، فليس من المتوقع أن يتيح لمصر ، كما يدعي ينون ، انطلاقة تنموية حقيقية في المدى المنظور. الثالثة: تتعلق بحالة الاستقرار والتعايش الطائفي والمذهبي ، والتي ادعى فيها ينون أنها سيئة بسبب وجود أقلية قبطية كبيرة العدد مضطهدة أو مهمشة ومستبعدة من المشاركة في العمل العام ، ولأنها تبلغ ما يقارب 10% من إجمالي عدد السكان وتشكل أغلبية في جنوب البلاد (صعيد مصر) فقد أصبحت أكثر ميلا للعزلة وعدم الرغبة في التعايش مع الأغلبية ، خاصة في ظل تنامي التيارات التي تنتمي إلى الأصولية الإسلامية ، وأنها ربما تكون جاهزة للانسلاخ عن الوطن الأم والتفكير في الاستقلال. واستنادا إلى هذه الأطروحات الثلاث ، والتي تعامل معها بوصفها حقائق لا تقبل الجدل ، توصل ينون إلى نتيجة مفادها أن مصر تبدو في ظاهرها دولة قوية لكنها في حقيقتها ليست سوى دولة هشة وضعيفة ، وأن هذه الحقيقة راحت تتكشف منذ عام 56 إلى أن تحولت إلى حقيقة مسلم بها عقب هزيمة 67 التي أدت إلى خفض قدرات مصر الحقيقية بمقدار النصف على الأقل. 

ويعتقد ينون أن استعادة مصر لسيناء ، بما تحتوي عليه من ثروات طبيعية خاصة في مجال الطاقة والغاز ، مكنها من استعادة بعض عافيتها وأن على إسرائيل أن تحول دون ذلك وأن لا تسمح لمصر بالتقاط أنفاسها من جديد. في سياق كهذا لم يكن من المستغرب أن يقترح ينون على إسرائيل ، في إطار استراتجيته الكلية الخاصة بتفتيت العالم العربي ، أن تتبنى تجاه مصر سياسة تستهدف العمل على خطين متوازيين : 

الأول: يستهدف استعادة سيناء مرة أخرى ، والثاني: يستهدف تشجيع قيام دولة ذات أغلبية قبطية في جنوب مصر. وفيما يتعلق بالخط الأول يلاحظ أن ينون يحذر إسرائيل من تبني سياسة الحلول الوسط ، خاصة تلك التي تتضمن تنازلات أقليمية أو التخلي عن أي أراض تحتلها. ومن اللافت للنظر أنه حرص عند هذه النقطة على تجنب أي حجج لها صلة بأرض إسرائيل التاريخية واستبدل بها حججا ذات طابع اقتصادي في المقام الأول تنطلق من رغبته في تأمين احتياجات إسرائيل المتزايدة لمصادر الطاقة المختلفة ، خاصة من النفط والغاز ومن المعادن الكثيرة والمتنوعة التي تحتوي عليها سيناء ، وهو ركن حاسم في الاستراتيجية الخاصة بناء القدرة الذاتية لإسرائيل. ومع ذلك فبوسع الباحث المدقق أن يدرك أن ينون يرمي إلى ما هو أبعد وأنه يشير ، تلميحا تارة وتصريحا تارة أخرى ، إلى استراتيجية بعيدة المدى تدرك سيناء باعتبارها منطقة خفيفة السكان وقابلة للتوسع والامتداد العمراني الذي يصلح لاستيعاب فلسطينين قد يضيق بهم قطاع غزة المكتظ بالسكان ، أو باعتبارها منطقة صالحة لتوطين نسبة من اللاجئين الفلسطينيين في إطار حل دائم لمشكلة اللاجئيين ، أو حتى لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود المتوقع تدفقهم على إسرائيل من مختلف أنحاء العالم ، خصوصا في ظل التحول التدريجي المتوقع لإسرائيل كقوة عظمى مهيمنة في المنطقة. 

أما فيما يتعلق بالخط الثاني ، والذي يستهدف العمل المنظم لتعميق الخلافات بين المسلمين والأقباط في مصر والدفع في اتجاه قيام دولة ذات أغلبية سنية في الشمال وأخرى ذات أغلبية قبطية في الجنوب ، فيلاحظ أن ينون ينطلق في تحقيق هذا الهدف من قناعته بأمرين على جانب كبير من الأهمية. الأول: أنه يمثل أحد أقصر الطرق وأضمنها لإضعاف الدولة المركزية في مصر وحرمان العالم العربي من قوة كانت وما تزال مرشحة دائما لقيادة المنطقة نحو التكامل والوحدة. والثاني: أنه أحد أقصر الطرق وأضمنها لخلق أجواء مواتية لتفتت الدولتين المجاورتين لمصر ، وهما ليبيا والسودان ، على نحو طبيعي وتلقائي دون ما حاجة لتدخل مباشر. إذ يعتقد ينون أن ليبيا والسودان لن يصمدا أبدا إذا ما تفتت مصر. في سياق كهذا يمكن القول أن خريطة الدولة المصرية بحدودها الحالية مرشحة للتغير ، إذا ما نجحت اسرائيل في تحويل استراتيجيتها لتفتيت العالم العربي إلى حقيقة واقعة ، وذلك على النحو التالي:

1 - فصل سيناء عن مصر ووضعها من جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية. 

2 - دولة ذات أغلبية سنية في شمال الدلتا. 

3 - دولة ذات أغلبية مسيحية في صعيد مصر. وعلى الرغم من أن ينون لا يطالب صراحة باستخدام القوة المسلحة ، خاصة لتحقيق الهدف المتعلق بفصل سيناء عن مصر ، إلا أنه يبدو على ثقة من أن السياسة المصرية ستتركب ما يكفي من الأخطاء لتمكين إسرائيل من استغلالها كأعذار تسمح لها بتحقيق أهدافها

يبقي في النهاية أن نلفت نظر الأجيال الجديدة من شبابنا العربي ، خاصة في مصر ، إلى دلالة توقيت نشر هذه الاستراتيجية. فقد نشر ينون دراسته في فبراير 1982 ، اي بعد أشهر قليلة من اغتيال الرئيس أنور السادات ، وقبل أن تكمل إسرائيل انسحابها من سيناء والذي كان مقررا له أن يكتمل في 25 إبريل عام 1982. ورغم أن إسرائيل أكملت انسحابها من مصر في التاريخ المحدد ، إلا أنه يلاحظ أنها افتعلت نزاعا حول طابا لاستخدامه "مسمار جحا" قد يسمح لها ، إن سنحت الفرصة ، بالعودة لاحتلال سيناء. كما يلاحظ أن إسرائيل قامت بعد أشهر قليلة من نشر دراسة ينون بغزو لبنان في 5 يونيو عام 1982 وأقدمت ، في أول سابقة من نوعها ، على محاصرة العاصمة وتنصيب أحد الموالين لها رئيسا للدولة وأجبرته على توقيع معاهدة سلام معها في 17 مايو عام 1983. 

ولو أن الأمور كانت قد سارت على نحو ما تشتهيه السفن الإسرائيلية وتمكنت من فرض هيمنتها على المشرق العربي بعد استتباب الأوضاع لها في لبنان لكانت قد استدارت من جديد نحو مصر ولبحثت لنفسها عن أعذار تبرر لها العودة من جديد لاحتلال سيناء ولوجدت ألف حجة وحجة لتبرير فعلتها ثم لكانت قد تفرغت بعد ذلك للتدخل في شئون مصر الداخلية والعمل بكل ما أوتيت من قوة لتعميق التناقض بين أقباطها ومسلميها،. 

فهل بوسع شبابنا في مصر أن يدرك أن صمود المقاومة اللبنانية ونجاحها في اسقاط معاهدة مايو 1983 ثم اندلاع الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة هو الذي أعاق تنفيذ الاستراتيجية الإسرائيلية الخاصة بتفتيت العالم العربي وبالتالي حمى مصر ، ولو مؤقتا ، من المخطط الذي كانت إسرائيل تتهيأ لتنفيذه على ارضها. وهل يدرك شبابنا أن الفشل الذي انتهت إليه إسرائيل في لبنان حمى المشرق العربي كله من مخطط التفتيت على النحو الذي سنلقي عليه الضوء تفصيلا في مقالنا القادم. صحيح أن هذا الفشل لم يجعل إسرائيل تيأس أو تتخلى نهائيا عن خطتها للتقسيم وراحت تتحين كل فرصة ممكنة لإعادة إطلاق خطتها من جديد ، وتصورت أنها عثرت على هذه الفرصة بعد ذلك بسنوات ، ولكن من باب الأزمة العراقية هذه المرة. غير أن الرياح لم تهب مرة أخرى على نحو ما اشتهته السفن الإسرائيلية. ومع ذلك لم تيأس إسرائيل وما تزال تتنتظر. لذلك ننصح شبابنا بإعادة قراءة ما كتبه ينون وأن لا يكتفي بما سنوضحه من هذه الاستراتيجية في مقالاتنا القادمة.

============================================================

 قراءة جديدة في أوراق قديمة «3 - 4» *

الثلاثاء، 24 يوليو /تموز، 2007

المشرق العربي في الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت المنطقة

 حسن نافعة

 

 نواصل قراءتنا للدراسة التي كتبها أوديد ينون بعنوان: "استراتيجية لإسرائيل في الثمانينات Strategy for Israel in the Nineteen Eighties" ونشرت بالعبرية في فبراير 1982 في مجلة Kivunim التي تعنى بالشأنين اليهودي والصهيوني وقام البروفيسور إسرائيل شاحاك الناشط الحقوقي الإسرائيلي المعروف بترجمتها إلى الإنجليزية في يونيو من نفس العام ونشرت تحت عنوان "الخطة الصهيونية للشرق الأوسط The Zionist Plan for the Middle East" بعد أن كتب لها مقدمة وخاتمة أكد فيهما على أن هذه الدراسة هي الأكثر وضوحا وتفصيلا وتعبيرا عن حقيقة ما يدور في العقل الصهيوني

وقد عرضنا في المقال الأول من هذه السلسلة للملامح العامة لهذه الاستراتيجية أو الخطة ، ثم تناولنا في المقال الثاني رؤيتها لكيفية التعامل مع مصر ، ونخصص مقال اليوم لبحث موقع المشرق العربي منها وفيها. وفي تقديري أن أول ما يتعين أن يلفت النظر في هذه الدراسة - الوثيقة هو اختلاف طريقة إدراك الحركة الصهيونية لأهمية منطقة المشرق العربي بالنسبة لها عن بقية المناطق الأخرى في العالمين العربي والإسلامي. ونقصد بالمشرق العربي هنا الأراضي والدول العربية التي تشمل الأراضي الفلسطينية والأردن ولبنان وسوريا والعراق. فاهتمام الحركة الصهيونية بتفتيت الدول أو المناطق العربية الأخرى يعود لأسباب واعتبارات يغلب عليها الطابع الأمني أو الاقتصادي ، أما اهتمامها بالمشرق العربي فيعود لأسباب واعتبارات حيوية. ولذلك لا يكتفي المشروع الصهيوني بالتطلع إلى تفتيت هذه المنطقة وإعادة رسم حدودها السياسية ولكنه يعطي لنفسه الحق في التمدد الجغرافي داخل ما يعتبره مجالا حيويا له ، بما في ذلك الاستيلاء على أراض جديدة واستيطانها تمهيدا لاستيعابها وضمها داخل الدولة اليهودية ، والقيام بتغييرات ديموغرافية واسعة النطاق تشمل التهجير القسري للسكان 

ومن الواضح أن رؤية ينون للمشرق العربي في الاستراتيجية التي يقترحها ترتبط ارتباطا عضويا برؤيته لطبيعة الدولة اليهودية وحدودها. وفي سياق هذه الرؤية يعتقد ينون أنه لا مجال للتمييز بين حدود 48 وحدود 67 لأن المهم بالنسبة لإسرائيل هو أن تكون حدودها آمنة ، بصرف النظر عن موقع هذه الحدود على الخريطة. والحدود الآمنة في مفهوم ينون هي الحدود التي تمكن إسرائيل من السيطرة على كل المنطقة الواقعة "بين النهر والبحر". ولا يقصد ينون بالسيطرة هنا مجرد السيطرة العسكرية أو الهيمنة السياسية والاقتصادية وإنما السيطرة الديموغرافية اي السيطرة الفعلية والكلية بالتواجد السكاني الخالص لليهود في هذه المنطقة والتي بدونها لن يكون لإسرائيل أي مستقبل من المنطور الاستراتجي. وهذا الفهم الخاص جدا للحدود الآمنة هو الذي يحدد موقفه من قضية التسوية مع العرب حيث يرفض رفضا مطلقا أي تقسيم لهذه الأرض كما يرفض من حيث المبدأ منح الفلسطينيين أي حكم ذاتي لأنه يرفض أصلا تواجدهم على أي شبر من هذه الأراضي. من هنا معارضته التامة لاتفاقيات كامب ديفيد ولكل المشروعات الإسرائيلية التي تتحدث عن التقسيم أو الحكم الذاتي

ولأنه يعتقد أن التركز السكاني لليهود في المناطق الساحلية ، والتي يقطنها حوالي 75% من إجمالي السكان ، يشكل خطرا استراتيجيا كبيرا على أمن إسرائيل ، فهو يطالب بتبني سياسة سكانية أخرى تنطلق من ضرورة السيطرة على المصادر المائية الممتدة من بئر سبع حتى الجليل الأعلى واتخاذ كل الاجراءات الضرورية لتأهيل المناطق الجبلية لتصبح قابلة للاستيطان والتوسع العمراني ، وذلك تمهيدا للقيام بعملية هندسة ديمغرافية واسعة النطاق لإعادة توزيع السكان بما يتناسب مع متطلبات الأمن للدولة اليهودية على المدى الطويل. ويبدو واضحا تماما أن متطلبات الأمن هذه لا تعني في نهاية المطاف ، وفقا لتصور ينون ، سوى شيء واحد وهو إخلاء المنطقة الممتدة من البحر إلى النهر من معظم السكان العرب ، إن لم يكن جميعهم ، بمن فيهم عرب 48. هل معنى ذلك أن ينون لا يعترف بوجود الشعب الفلسطيني أو بحقه في تشكيل دولته المستقلة. لا ، على العكس ، فهو يعترف بوجود الفلسطينيين وبحقهم إقامة دولتهم المستقلة ولكن خارج نطاق الحدود الآمنة لإسرائيل، ومن المنظور العربي قد يبدو مثل هذا الطرح نوعا من الهرطقة لكنه يعكس ، من المنظور الصهيوني ، رؤية التيار الأكثر عمقا وتأثيرا في الفكر وفي تاريخ الحركة الصهيونية في الواقع. ولأن ينون أدرك إدراكا واعيا أن هذا "الحلم الصهيوني" غير قابل للتحقيق إلا على جثة الدول العربية القوية أو المركزية ، فقد كان من الطبيعي أن يحاول طمأنة مواطنيه إلى أن جميع الدول العربية التي تبدو في ظاهرها كبيرة أو قوية عسكريا ، بما في ذلك مصر ، قابلة للانهيار والتحلل إلى مكونات صغيرة وضعيفة ، وبالتالي لا يمكن أن تشكل تهديدا لإسرائيل على المدى الطويل

ويبدو ما جرى للبنان وما كان يجري لها وفيها في ذلك جعله مطمئنا تماما إلى هذه النتيجة. فلبنان كانت في ذلك الوقت دولة منهارة اقتصاديا ومقسمة ، بفعل الحرب الأهلية المستعرة فيها منذ منتصف السبعينات ، إلى خمس مقاطعات تقف على رأس كل منها سلطة شبه سيادية ، الأولى: مسيحية في الشمال ، وتتزعمها أسرة فرنجية التي تؤيدها سوريا ، والثانية: في الشرق وتقع تحت الاحتلال السوري المباشر ، والثالثة: مسيحية في الوسط تسيطر عليها الكتائب ، والرابعة: تقع بمحاذاة نهر الليطاني وتسيطر عليها منظمة التحرير الفلسطينية ، والخامسة: في الجنوب المحاذي لإسرائيل ويسيطر عليها الرائد سعد حداد رغم أن أغلبية شيعية تقطنها 

ومن الواضح أن ينون كان على قناعة تامة أن بوسع إسرائيل تحويل لبنان إلى خمس دويلات طائفية إذا ما نجحت في كسر منظمة التحرير الفلسطينية عسكريا وفي إضعاف الوجود السوري هناك (وهو ما جرت محاولته بالفعل عندما أقدمت إسرائيل على غزو لبنان بعد اشهر قليلة من نشر دراسته). وإذا كانت لبنان تبدو دولة منتهية في ذلك الوقت فإن سوريا والعراق كانا ما يزالان يثيران القلق بسبب قوتهما العسكرية. ومع ذلك فقد بدا ينون مطمئنا تماما إلى أنهما مرشحتان بدورهما للانهيار على المدى المتوسط أو المنظور. ولأن عوامل التحلل والتفتت كانت تبدو له كامنة داخل البنية السياسية والاجتماعية لهاتين الدولتين ، فقد كان على ثقة تامة من انفراط عقدهما في النهاية إما تلقائيا أو بقليل من الضغط الإسرائيلي

لقد اعتقد ينون أن سوريا لا تختلف كثيرا ، من المنظورالطائفي عن لبنان. صحيح أنه كان يدرك وجود فارق كبير بينهما يتمثل في وجود نظام عسكري قوي في سوريا ، غير أنه كان يعتقد أنه ليس بوسع هذا النظام ، والذي تسيطر عليه أقلية علوية شيعية لا تتجاوز 12% أن يحتوي المعارضة السنية القوية ، خاصة من جانب جماعة الإخوان المسلمين. ولذلك كان ينون على ثقة بأن سوريا ستنتهي إن إن عاجلا أو آجلا بالتفكك إلى عدة دويلات: دولة علوية على الساحل ، ودولة سنية في منطقة حلب ، ودولة سنية أخرى معادية في منطقة دمشق ، ودولة درزية في الجولان

ولأن ينون كان يعتقد أن لبنان ستتفكك رسميا لا محالة خلال فترة قصيرة ربما لا تتجاوز عدة شهور ، فقد أن سوريا ستتبعها حتما على نفس الطريق ولن يكون بوسعها أن تقاوم طويلا تلك العملية التاريخية الحتمية. غير أن الوضع في لبنان سار ، كما هو معروف ، على غير ما تشتهي السفن ا