اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
 

 

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 الجبل المختبئ2
 

جبال كاراكوروم

 

معلق:

          هناك أشياء قليلة تتمكن من التشبث في ذاكرتنا إلى الأبد،  كما هو حال التحضير لغزو إحدى القمم الهامة. كما هو حال القمة المخفية، أو الهيدين بيك، في الجبل المخفي.

          بهذه الصورة الغريبة بعدم النظام الذي يميزنا، والذي في الواقع يعطينا نتائج جيدة، نتقدم بالمقترحات ونناقش بحماس ونضحك ونحلل حتى أدق التفاصيل، بنفس الأمل والحماس الذي ينتاب الأطفال عشية أيام العيد.

          نتنفس كما من هواء التفاؤل المبهم. رغم أن المناخ كان معاندا، ولم يعطينا الجبل كثيرا من المسرة، إلا أننا أصبحنا على استعداد لمهاجمة القمة. هذه هي اللحظة التي نسعى إليها منذ فترة طويلة، بلغت لدى البعض خمسة عشر عاما.

          تلاشى ما ينتابنا من شك في الهواء البارد وغموض جبال كاراكوروم. من شاهد الغروب في هذا المكان يستطيع التأكيد بأنه قد رأى السماء.

خوان توماس:

          أعتقد أننا تمكنا من التأقلم مع بالتورو، لا يمكن اعتماد أسلوب العمل المنهجي في بالتورو، بل يجب أن يكون مرتجلا، ذلك أن المناخ يتغير بسرعة، وأيام المناخ الجيد لا تتوالى كثيرة. لقد استغلينا جيدا أيام المناخ الجيدة، ذلك أننا استطعنا الارتجال والمتابعة حسب ما تأتى.

ألفونسو خويس:

          أعتقد أننا استفدنا جيدا من المناخ. ونحن الآن مستعدون للتسلق منذ هذه الليلة إذا ما جاءت ثلاثة أو أربعة أيام من المناخ الجيد.

مانويل ألفاريس:

          أعتقد أنه إذا تجاوب المناخ معنا، وهو العنصر الحاسم، أعتقد أننا نستطيع بلوغ القمة. أعتقد أننا سوف نصعد إلى القمة بحماس كبير، لأننا مجموعة صلبة لا تنقصنا لا ينقصنا الحماس. ولكن الكلمة الفصل هنا تبقى للمناخ.

خوان توماس:

          يعتمد غزو القمة على المناخ، لهذا لست متشائما ولا متفائلا. فالمناخ هو الآمر الناهي في جميع الجبال وتحديدا في بلتورو لأنه متقلب جدا. لهذا إن كان لدينا ثلاثة أيام جيدة سوف نتمكن من بلوغ القمة، أما المدة فتعتمد أيضا على حال الممر، وما يلزم للتجهيز، وما هو حال الجليد في الجزء الأعلى، ولكني أعتقد أنه إذا ما كان المناخ مناسبا سوف نبلغ القمة.

إنياكي أوتشوا دي أويسا:

          نشعر بالقلق تجاه كمية الثلوج التي سقطت ولكنها مسألة توازن نفسي. فإن كان المرء متوازنا يتخطى كل هذه الأمور.

مانويل ألفاريس:

          هذا مؤكد، لا تقلقني أبدا مسألة الصعود إلى القمة بل العودة منها سليما معافى.

معلق:

          فعلا، هذا هو الهدف، تسلق ثمانية آلاف وثمانية وستون مترا من علو الجبل المخفي، والعودة كي نتحدث عما جرى.

          بدأ رفاقنا الأربعة مسيرتهم قبل حلول الفجر. تقدم الأقوى وحدنا ، والأكثر استعدادا لبلوغ هذا الهدف.

          جميعنا يعرف أنهم سيعتمدون بشكل رئيسي عل قواهم الذاتية فقط، سيكون مصيرهم بين أيديهم، وسيعتمد على ما يقومون به من خطأ وصواب.

          سوف تكون مهمة صعبة شديدة المخاطر، ليس غريبا أن تكون القمة المخفية بين الجبال الأربعة عشرة التي يزيد ارتفاعها عن ثمانية آلاف مترا. والثالثة الأقل ارتفاعا.

          ولكن كما جرى في مرات أخرى عديدة، الخطط التي صممت بالتفاصيل، يمكن أن تنهار لمجرد تفصيل لم يؤخذ بالاعتبار.

ألفونصو خويس:

          بين الثالثة والرابعة واجهت مشكلة في المعدة. كنت بحالة سيئة، وقد أبلغت مانولو بما شعرت به، وأننا قد لا نلحق بالمجموعة، حتى أني شعرت بألم في الذراعين، منعني من الاستمرار رغم المحاولات. كنا سنتوقف عند شلال الجليد، لهذا كان من الأجدر التوقف في المخيم، والمتابعة في اليوم التالي. وهكذا بقينا في المخيم، ما فصلنا أربع وعشرون ساعة عن إنياكي وخوان.

معلق:

          لا  نعرف ما هي الآلية الغريبة التي تجعل تفاصيل صغيرة في الظاهر، تقرر مصيرنا أحيانا.

          لم يتخيل أحد أن يكون هذا الصباح  الثامن من تموز يوليو البارد يوما لتعقيد تسلقنا.

          المسألة الحقيقية هي أن مشاكل ألفونصو المعوية  جعلتنا نعدل خطة مسيرتنا.

          إنياكي أوتشوا دي أويسا وخوان توماس، رفاقنا في البرنامج، استمرا في التقدم، خلفا المخيم وراءهما حتى بلغا خلال بضع ساعات المخيم الثاني على سفوح غاشيربروم.

          أما باقي الفريق فهو يعيش من مختلف المخيمات اللحظات الأشد توترا وأهمية ودقة في البعثة.

          في هذه الأثناء سيكون على المجموعة المؤلفة من الملازم مانويل ألفاريس والقائد ألفونصو خويس من أكاديمية جاكا العسكرية، سيكون عليهما الاكتفاء بمجرد الوصول إلى المخيم الأول. ومع ذلك سيتمكنان بفضل هذه الجهود من المشاركة في غزو القمة، ولو كان ذلك بالتأخر يوما واحدا.

          في مثل هذه اللحظات عادة ما تكون قلوبنا على الرفاق وليس على القمة، ليس هناك ما هو أهم منهم.

           ولكن الجميع لا يفكرون مثلنا.

          من المؤسف جدا ألا ينجو المرء من الأطماع حتى وهو في الجبل. استقبلنا في القاعدة الأساسية حمالا يعاني من أزمة تجمد حادة بعد أن تخلت عنه بعثته. بعد أن عانى صعوبات كبيرة، قرر طبيبنا الشاب خوسي أنطونيو، أن يقلل من العواقب التي نجمت عن التجمد، وهذه مسألة ممكنة في مدريد أما في هذا البلد فلا يمكن أن يضمنها أحد.

          لم نتخيل أبدا أن نضطر لبلوغ القمة لدفع أي ثمن كا لأن ذلك يستحق العناء. كنا حريصين جدا على حياة هؤلاء الرجال الذين يكسبون العيش بالعمل حمالين. والصداقة التي تجمعنا بكثيرين منهم أكبر مثال على ذلك. لا يمكن أن نتشوق يوما ما لبلوغ القمة على حساب التخلي عن رفيق لنا.

          يعتقد رفيقنا رامون بورتيا، الذي في القاعدة الأساسية أنه يعرف هذا الحمال. فجأة عادت إلى مخيلته صور عمرها ستة أعوام، عندما كان يتسلق جبل نانغا بربات. لقد أنقذ هناك من المخيم الثاني أحد الحمالين، بعد أن سقط عن علو وهو يعمل لحساب بعثة كورية. كان ذلك الرجل هو نفس الذي أمامه الآن.

          لا نتمنى إلا أن يتنبه صديقنا لاختيار زملائه في المرة المقبلة.

          في اليوم التالي، تعافى ألفونصو من وعكته الصحية، فانطلق مع منويل على أثر رفيقينا الآخرين.

          أصبحا ثانية على استعداد لمتابعة التسلق. يكمن الفارق الوحيد هنا هو أنهما بحاجة ليوم آخر فقط لبلوغ القمة بعد رفيقيهما السابقين. ولكن الاستعداد والإمكانات ما زالت على حالها.

          أثناء تسلقهما المعابر الجليدية المهيبة، كان خوان وإنياكي قد انطلقا وفق حساباتهما الخاصة نحو الممر الياباني. ما زال عليهما تخطي الأمتار الأخيرة  في هذا الجدول. إنه يوم حاسم، خاصة وأن عليهما تركيب الخيم الأخيرة على مسافة سبعة آلاف ومائتي متر، من حيث سينطلقان نحو القمة في اليوم التالي.

          رغم أن الجزء الأخير من الممر بالغ الدقة، تمكن رفيقينا من تحقيق الهدف. ولكن المائتي متر الأخيرة من الممر بقيت بدون حماية الحبال الثابتة.

          رغم تعرض المخيم الثالث للرياح إلا أنه مكان مميز يمكن من خلاله التأمل في جميع أرجاء الكاراكوروم. تبدو القمة من هنا قريبة جدا. بما أن التوقعات الجوية ليست جيدة، اتفقنا على أن يتحرك الرفاق ليلا نحو القمة.

إنياكي أوتشوا دي أويسا:

          بدأنا التسلق في تمام الثانية عشر ليلا. الحقيقة أن الثلوج في البداية لم تكن سيئة، وتحديدا خلال المئات الأربع أو الخمس الأولى من الألف متر التي كان علينا تسلقها في ذلك اليوم. أما باقي المسافة وبدءا من السبعة آلاف وخمسمائة بدأت الأمور تتعقد جدا. أولا لأن الوقت كان ليلا ولم تكن الطريق التي نسلكها واضحة. ثانيا لأن التسلق بحد ذاته كان أكثر ميولا مما كنا نتوقع. أذكر تحديدا أن خوان أخذ معه المنكاشين، أما أنا فحملت واحدا منهما فقط، ليصيبني بعد ذلك الندم. حملت معي منكوشا وعكازا للتزلج، لأرى أن الميول كان يزداد حدة مع الوقت. أضف إلى ذلك أن الثلوج بدأت تزداد عمقا، ما جعل فتح الطريق متعب جدا. ومع ذلك سرنا باطمئنان من يدرك تماما بأننا قد لا نبلغ القمة في تماما الثامنة صباحا، ولكننا سنكون هناك في العاشرة كحد أقصى. كان المناخ يبدو مستقرا إلى حد ما.  وهكذا ساعدنا غياب المفاجآت على بلوغ القمة في تمام التاسعة صباحا.

إنياكي: (راديو)

          أصبحت على مسافة خمسة أمتار من أعلى نقطة سأحتفظ بها حتى وصول خوان. إنها لحظات مدهشة، رائعة. الرياح قوية هنا، وكأنها تشبه العاصفة، ولكنها لحظة رائعة أيها السادة رائعة جدا. بدل.

من الخيمة:

          كيف حالك ؟ بدل.

راديو:

           قد لا أبالغ إن قلت أني أمضيت عشر ساعات في فتح الثقوب وكأني فاقد الوعي. الأمتار الأربعمائة الأخيرة كانت رهيبة. أنا بخير، بل بأحسن حال نظرا للعلو الذي بلغته، بعد ما شعرت به من أني محشور بين المطرقة والسندان. بدل.

من الخيمة:

          وما هو حال خوان توماس؟ بدل.

راديو:

          ما زال أمام خوان برأيي نصف ساعة أخرى، لهذا سوف نحافظ على التواصل، سوف أقوم بالتقاط بعض الصور، وعندما يصل خوان سنعاود التحدث. اتفقنا؟

معلق:

          إنها اللحظة التي انتظرها البعض منذ خمسة عشر عاما.

          ولكن ما زال أمامهما النزول، ولا يوجد شيء سهل في هذه الجبال.

إنياكي:

          هبت رياح عاتية، كانت قوية فعلا. عاصف رهيبة بدون غيوم أو مطر ولكنها قوية. ما حال دون نزولنا بمواجهة الوادي. كان علينا أن نلتف حول المنحدر، حامين أنفسنا بقبعات الزوابع، وبقينا على هذا الحال طوال طريق النزول، باختصار تمكنا بعد ثلاث ساعات تقريبا من بلوغ المخيم الثالث. وجدنا هناك أن ألفونصو ومانولو قد وصلا منذ لحظات. استقبلانا في الخيمة. لم نمض فترة أطول من ساعة تقريبا. رفعنا معنوياتهم، وحذرناهما من بعض تفاصيل الطريق التي يجب سلوكها ثم ودعناهما ونزلنا نحو المخيم الثاني.

معلق:

          أثناء استمرار صديقينا بالهبوط، اعتبر ألفونصو خويس ومنويل ألفاريس أن الوقت قد حان لفرصتهما الموعودة.

          هناك في الأعالي سيجدان الهدف الذي تمنيا بلوغ، وسنعرف النتيجة بعد ساعات قليلة. جميعنا يعرف أن كل شيء وارد خلال هذه الساعات.          

          عندما تابع منويل وألفونصو مسيرتهما نحو القمة المجهولة استمر إنياكي وخوان النزول من المخيم الثاني، ليصلا إلى القاعدة الأساسية، بعد عملية تسلق سريعة جدا.

          وأخيرا أصبحا بيننا بعد أن صارت القمة المخبأة ملكا لهما. بع ذلك فإن الفرحة لم تكتمل بعد، لشعورنا بالقلق الشديد على من يفترض بهذه اللحظة أن يكونا على مقربة من القمة.

راديو:

          حسنا، تهانينا لك أيضا مانولو،  ماذا ترى من هناك؟ أخبرنا شيئا عن انطباعاتك؟ بدل.

ألفاريس:

          أشعر بسعادة الطفل الذي يحصل على حذاء جديد.

صوريا:

          رائع. رائع، حاول أن تنظر في الأفق علك ترى شيئا من علامات هاكا، بدل.

راديو:

          هذا ممكن جدا لأننا نشعر ونحن هنا وكأننا نستطيع ملامسة السماء.

ألفونصو خويس:

          كانت المناظر خلابة رائعة، وهدأ المناخ لنصف ساعة تقريبا، وقد استمتعت جدا مع منولو بروعة القمة. تلك الصور التي أحاطت بكاراكوروم وفي الجانب الصيني، كلها جبال مختلفة. كانت لحظات سعيدة، لقد حالفنا الحظ فعلا.

صوريا:

          استريحا قليلا إذا سمح المناخ بذلك، وعاودا النزول بأسرع ما يمكن على اعتبار أن بلوغ القمة ينتهي عندما تصلان إلى القاعدة الأساسية هنا. انزلا ببطئ وحذر شديدين.

صوت:

          سنلتقط بعض الصور كي ننزل بعد ذلك مباشرة.

معلق:

          كلمات القائد صوريا تعكس قلق الجميع.        

وكأن القدر جاء على الموعد المحدد بدقة. بدأت المأساة عند تعرض منويل ألفاريس لسقوط مفاجئ، من حسن الحظ أنه تمكن من التوقف قبل وصوله إلى الهاوية.

ألفونصو خويس:

          في تلك اللحظة كان الثلج يدخل ويخرج، وقد رأيت منولو تحت. ظننت انه كان بانتظاري هناك. بدأت النزول حتى رأيت الشاكوش معلقا، لأدرك بأن شيئا ما قد حصل. اقتربت لأجده محشورا خلف الحمالة، وقد تعرض لضربة كبيرة في الوجه.  تلقى عدة ضربات في الوجه وهو محشور خلف الحمالة لكنه لم يفقد الوعي. ثم قال: العنق يؤلمني جدا ولا أستطيع الحراك. رفعته ثم بدأنا بالنزول.  نزل بصعوبة كبيرة، ولكنه نزل حتى المخيم الثالث. هبت هناك عاصفة ثلجية وقد كان الوقت متأخرا بعد الحادث فقررنا المبيت هناك. كان يعاني جدا من آلام الظهر ثم استسلم فورا للنوم.

معلق:

          ازداد الحال سوءا عندما خيم المناخ السيء على الجبل.

طبيب عبر الراديو:

          خذ ما تقوله ألفونصو بعين الاعتبار فهو إيجابي جدا. اطمئن لأن ما تقوله يؤكد بأن لا داعي للقلق. سنقوم بإنزالك وسوف ترى كيف سيصبح كل شيء على ما يرام.

صوت:

          معنوياته، معنوياته.

طبيب:

          ارفع معنوياته تحديدا ألفونصو، ارفع معنوياته وعندما يصل سوبر تمايو إلى هناك فليتصل كي أعطيه التوجيهات اللازمة حول ما يجب أن يفعله.

خوان:

          ما أن وصلا إلى المخيم الثالث حتى تملكنا القلق جميعا، لأن هناك شخص اسمه منولو بحالة سيئة جدا نتيجة سقوطه. عند ذلك أيقنت أنهما في اليوم التالي سينزلان معا مهما بلغ الثمن لأني أدرك أهمية الخروج من جبال الثمانية آلاف بأسرع ما يمكن، والمخيم الثالث هو الأخير في الثمانية آلاف. لهذا فهو مكان يجب الخروج منه بسرعة. عندما رأيت في اليوم التالي أنهما لم يبدأا بالنزول، لأنهما متعبان جسديا، ولم يتعافى منولو من وقوعه بعد، بل هو بحالة سيئة، بدأت أشعر بالقلق لأن المناخ متقلب جدا في بالتورو، والمنطقة التي نصب فيها المخيم معرضة جدا للرياح، وفي حال ازداد المناخ سوءا سيكون من الصعب عليهما الخروج من هناك.

معلق:

          من الواضح أن الجبل أشبه بمصيدة كبيرة علق بها صديقينا في المخيم الثالث على مسافة سبعة آلاف ومائتي مترا. أبقينا في المخيمين الأول والثاني عدة رفاق بانتظار تحسن الوقت للقيام بمحاولة إنقاذ وإنزال منويل الذي بالكاد يستطيع الوقوف. ولكن من المستحيلالقيام بأي عمل في هذه الظروف.مع مرور الأيام يتحول الجبل إلى ما يشبه الجحيم. لم يتمكن الرفاق من النزول ولم نتمكن نحن من الصعود إليهم. وهكذا انتظر من في أعلى الجبل ومن في أسفله معا. حتى كدنا نبلغ اليأس ونشعر بأن السماء تنهار على رؤوسنا.

ألفونصو خويس:

          هبت رياح عاصفة  في الأعالي، لا تكاد الخيمة تحتملها. خرجنا عندما تمكن منولو من الوقوف والاتكاء علي. ولكن الرياح الثلجية ضربتنا بشدة، فسقط على ركبتيه قائلا: اذهب أنت، دعني هنا.  فأجبته: يجب أن نحاول. عاود الوقوف على قدميه، ليسقط من جديد قائلا بأنه لا يستطيع. وأن العمود الفقري لا يساعده. ثم عاودنا الدخول إلى الخيمة.

معلق:

          شيئا فشيئا أخذت تشكل شبكة أشبه بخيوط عنكبوت هائل حول رفاقنا، لتجعل من الحلم الذي تحقق كابوس لا يحتمل.

ألبيرتو أيورا:

          كنا نعرف بأن الإمكانات تتقلص مع الوقت. أخذت الليالي تمتد في الجبل، مرت سبع ليال متواصلة هناك. ومع ذلك كنا نرى ألفونصو هادئ جدا. يفكر ببرودة تامة، ما جعلنا نشعر بالاطمئنان. اعتقدنا أن قليلا من الحظ خلال فترة من تحن المناخ، ومن خلال الفريق القوي الذي نمتلك في المخيم الثاني، سنتمكن من حل المشكلة.

معلق:

          ولكن الأيام تتوالى دون أن يتحسن المناخ. رغم هذه الظروف المعاكسة جدا، قرر عضوان في فريق البرنامج وهما خوسي كارلوس تمايو ورامون بورتيا، الذان كانا يتسلقا كاشيربروم الثاني، وانضما منذ البداية إلى فريق الإنقاذ، قررا القيام بالمحاولة.

          كلاهما يدرك عبر التجربة المأساوية التي مرا بها قبل عامين في الكاف الثاني، بأن ظروف الذين فوق أوشكت بلوغ حد اليأس.

رامون بورتيا:

          عندما بدأنا التسلق قال خوسي كارلوس أننا لن نتمكن من الوصول. ثم أضاف: بدأت أشعر بالبرد القارس، لهذا علينا أن ننزل. وافقته على ذلك في البداية، وبدأت النزول معه. ثم فكرت بضرورة أن أحاول، لا يمكن أن أكتفي بالقول أن المناخ كان سيئا يمنع وصولنا، بل قررت الاستمرار إلى حيث يجبرني المنطق أو المجازفة على التراجع. عند ذلك تابع خوسي كارلوس النزول بينما تابعت من جهتي الصعود. وصلت إلى نهاية الحبال واتصلت بألفونصو. كان الوقت متأخرا، استغرقت في الوصول إلى هناك طوال اليوم. طلبت منهما أن يتحمسا وأن ينزلا إلى حيث كنت، وأني سأتولى بدءا من هنا إنزالهما.

ألفونصو:

          لا شك أن البرد كان قاسيا. بذل رامون جهدا يفوق التوقعات. كان على وشك الوصول. كان أمامه مائتي متر فقط، ولم يتمكن من تخطيها. أعتقد أنه لو تمكن رامون من الوصول لعملنا معا على إنزال مانولو. أعتقد أنها كانت لحظة حاسمة.

معلق:

          كانت المائتا متر التي بقيت دون تعزيزها بالحبال مسافة حاسمة لتحديد مصير رفيقينا. انتظرنا أنباء الراديو منذ عدة أيام. لم نفقد الأمل بتغيير المناخ، وبأن يخرج  رفيقينا من المصيدة التي تجسدت في الجبل الخفي. وبأن نتعانق من جديد دون أن يبقى من هذا الكابوس إلا ذكريات سيئة قد يلفها النسيان.

راديو:

          هنا القاعدة الأساسية بدل.

خيمة:

          هل لديكم أي أنباء؟ بدل.

راديو:

          كلا ليس لدينا أي نبأ بدل.

خيمة:

          أنا في الخيمة مع ألفونصو أكرر أنا في الخيمة مع ألفونصو بدل.

قاعدة:

          حسنا لا بأس، كيف حال مانولو؟ بدل.

خيمة:

          مانولو مات، بدل.

؟:

          لقد سقطا عن أول مضيق، لقد وقعا في آن معا. لقد تسلقت إلى حيث ترك تمايو الحبل عندما رأيتهما يقعان.

طبيب:

          كنت في الخيمة أنظر إلى الساعة، محاولا تجنب الأمر. كنت في الخيمة القريبة من خيمة المطعم، حين سمعت بينيتو يقول فجأة أن منولو قد مات.

          لم أتوقع أن.. لم أتوقع ذلك أبدا. خصوصا بعد أن أمضيا وقتا طويلا هناك. لا أفهم ذلك بعد.

معلق:

          تلك الكتلة الجليدية التي تسلقناها منذ أيام على أمل تحقيق الحلم، تحولت اليوم إلى صورة حية عن الحزن. وقد نزل منه شخص يعيش أعمق مأساة شهدها. بقي حيا ليحكي قصة موت رفيقه. 

          من الصعب أن يتمكن ألفونصو من نسيان تلك الساعات التي أمضاها عالقا قفي هذا الجبل.

ألفونصو:

          دخلنا في المضيق الأول، فكانت تجربة رهيبة. كان الجليد يسقط علينا باستمرار ليغطي وجوهنا. كان منولو يتحرك ببطئ شديد لشعوره بآلام الظهر. كان عاجزا عن المتابعة رغم النداءات التي أكررها. نزلنا مسافة طويلة. بدلت له المسلك وأخذنا نتبع المرحلة التالية. وفجأة سقط علي بكامله. عند ذلك أصابني الكلاّب.  فأخذنا نحلق ونطير. أذكر أني حين بدأت السقوط اشتدت أعصابي في محاولة لحماية نفسي. لأرى فجأة أن توقفت.  نهضت كي أجد منولو ممزق كليا. عند ذلك ظهر بينيتو الذي ساعدني. نظرت إلى منولو فوجدته بحالة سيئة. رأيت أن اثنان قد جاءا إلينا، حملني أحدهما إلى الخيمة، ثم ذهب توماس وألبيرتو لحمل جثة منولو، فوجدا أنه..

          ربما سقطنا من على مسافة ثلاثمائة مترا. كانت أمتارا كثيرة. المنحدر الذي وقعت منه يتراوح بين خمسين وثلاثين درجة. ما يعني أنها تسبب الموت الحتمي، ولكني لم أمت. يبدو أن حالة ظهره المحطم جعلت مقاومته أقل مني. أو ربما لعبت الصدفة دورها. لا أعرف.

معلق:

          لا نعرف، لا نعرف لماذا عجز صديقنا عن النزول، أو لماذا نتسلق جبالا عالية غير إنسانية. تراودنا تساؤلات عديدة، ولكن طالما بقي رجال تراودهم التساؤلات، وجبال بعيدة المنال، سيبقى اللقاء مصيرا يجمع بينهما.

--------------------انتهت.

إعداد: د. نبيل خليل

 
 
 
 



 

 

 

 

 

 

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة  | | اتصل بنا | | بريد الموقع

أعلى الصفحة ^

 

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

© جميع الحقوق محفوظة للمؤلف 1423هـ  /  2002-2014م

Compiled by Hanna Shahwan - Webmaster