اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
   

 

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 التراجع الأميركي: أسباب وتداعيات*
 

زياد حافظ **

 

*محاضرة ألقيت في مركز "باحث" للدراسات الإستراتيجية في منظقة بئر حسن في 27 شباط 2013

**أمين عام المنتدى القومي العربي

مقدمة

سؤال نسمعه دائما: ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟  العالم ينتظر قرارات الإدارة الأميركية وكأنها قدر فرض علينا أي "القدر المتجلّي" للولايات المتحدة.  اصبح قدرا بسبب قناعات النخب الحاكمة في الوطن العربي بأن الولايات المتحدة هي الفيصل في كافة الخيارات المتاحة في مواجهة مختلف الأزمات التي تعصف بالأمة.  نقول بكل وضوح أننا لسنا من ذلك الرأي.  كنّا من الأوائل عندما نبّهنا في ذروة الوجود الأميركي في الوطن العربي أي بعد احتلال بغداد أن الحرب على العراق كانت هروبا إلى الأمام!  أشرنا في ورقة قدّمناها للمؤتمر السنوي الثاني عشر للمؤتمر القومي العربي الذي عقد في صنعاء في حزيران 2003 وثم نشرت في مجلّة "المستقبل العربي" في آب 2004.  تلت تلك الورقة عدة أوراق ومقالات ومحاضرات خلال العقد المنصرم مفادها أن الخط البياني للوجود والنفوذ الأميركي هو في تراجع مستمرّ أو في حالة تقهقر حادة تمهيدا لخروج الولايات المتحدة من المنطقة لفترة طويلة إن لم نقل بشكل دائم.  في هذه المناسبة سنعدّد أسباب التراجع الأميركي وتداعياته على الولايات المتحدة أولا وعلى المنطقة العربية ثانيا ناهيك عن العالم.

لكن قبل التكلّم عن التراجع الأميركي علينا أن نوضح أن الولايات المتحدة ما زالت قوة لا يُستهان بها وإن فقدت الكثير كما سنرى من هيبتها وقوّتها.  ولكن علينا أن نقرّ بأنها ما زالت تمتلك عناصر القوة التي مكّنتها من الهيمنة على العالم.  لقد استطاعت الولايات المتحدة الوصول إلى موقع السيطرة بفضل قوّتها العسكرية المتفوّقة ساندها (فعل ماضي!) اقتصاد متين المبني على التفوّق العلمي والتكنولوجي مُوجدا علاقة عضوية دائرية بين المسببات والنتائج حيث عامل الوقت يجعل المسببات نتائجا والعكس بالعكس.  أضف إلى ذلك تمكّنت الولايات المتحدة من ممارسة هيمنتها الثقافية في العالم بسبب جاذبية إنتاجها السينمائي و التلفزيوني ومويسقاها التي تستهوي الشباب وسياراتها وأخبارها الرياضية وأزيائها ووجبات الطعام السريع[1] و كل ما يمكن أن يدّل على إشباع الرغبات و الشهوات التي تروجّها الثقافة الاستهلاكية التي تمتلكها الولايات المتحدة و التي يجب أن نقرّ بجاذبيتها لدى شرائح واسعة في مجتمعات العالم. وأخيرا لا بد من الاعتراف بأن الولايات المتحدة تستفيد من الهجرة إليها فهي التي تشجّع استقطاب أصحاب الأدمغة والكفاءات و المهارات و تغذّي و تنمّي القدرات البشرية المبدعة أكثر من أي بلد آخر في العالم[2].  فما عدى القوّة العسكرية فكل ما سردناه يشكّل عناصر القوّة الناعمة التي هي في رأينا أقوى من القوّة العسكرية والتي ساهمت وما زالت إلى حد كبير في احتلال عقل مُعظم النخب العربية وحتى شرائح واسعة من الشعب العربي الذي ما زال يتطّلّع إلى الولايات المتحدة كنموذج يُقتضى به.

مواطن التراجع الأميركي

أولا- التراجع في القدرات العسكرية.

صحيح أن الولايات المتحدة تملك ترسانة هائلة تستطيع أن تدمّر المعمورة آلاف المرّات.  لا نشكّ في ذلك الأمر ولكن فيما يتعلّق بالآداء العسكري فالأمر يحتاج إلى نقاش[3]. وهناك من يتساءل عن فعّالية اِلآلة العسكرية الأميركية. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت القدرة العسكرية الأميركية التي لا تقهر نوعا من المعتقد الإيماني بين أخصائيي السياسة الخارجية الأميركية و نخبها.  وتعتقد تلك النخب أن تلك القدرة العسكرية لا يحدّها شيء إلاّ الانضباط الإنساني والضمير الكاظم عند القيادات الأميركية[4].  لكن بعض الباحثين يعتقدون أن التفوّق العسكري الأميركي أقل شمولية مما يُعتقد وأقل فائدة مما يتصوّره المحافظون الجدد والمتشدّدون الأميركيون[5].  إن الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصرت فيها لم تكن إلاّ على خصوم أقلّ قوّة ومقدرة على مجابهتها كباناما وغرناظة والعراق (1991).  أما الخصوم  الأكثر كفاءة ومقدرة عسكرية فإمّا أجبرت الولايات المتحدة على "التعادل" معها (كوريا) أو هزمتها (فيتنام) ناهيك عن تقهقرها في لبنان والصومال ومؤخّرا في العراق وأفغانستان. أما انهيار الاتحاد السوفيتي فجأ نتيجة طموحاته الجيوستراتيجية التوسعية وسعيه للحصول على القوة العسكرية وليس حملته في أفغانستان أو سباق التسلّح الذي أدّت إلى الإفلاس الاقتصادي كما تروّجه المصادر الغربية. و يمكن القول أن الاتحاد السوفيتي هزم نفسه و لم تهزمه الولايات المتحدة[6].  وعلى صعيد آخر، هناك تساؤلات حقيقية حول المقدرة العسكرية المتوفرة لدى الولايات المتحدة في إدارة الإمبراطورية. فالباحثان إمانويل طود وشالمرز جونسون يشكّكان في القدرة العسكرية وعلى ما يبدو فإن الولايات المتحدة تبالغ في تقيّيم قدرتها على إدارة العالم ما تؤكده المشاكل الاقتصادية التي تواجهها الآن وحتى في المستقبل المنظور. ويمكن القول أن الولايات المتحدة أقوى مما يتمناه خصومها وأقلّ قوة مما تعتقده هي.

 

 

ثانيا- التراجع الإقتصادي

كتبنا مطوّلا وبشكل مفصّل[7] عن ذلك الأمر ولا داعي لتكرار كل ما قلناه. فهناك تراجع في البنية الهيكلية وهناك تراجع في النظام السياسي والإقتصادي.  التراجع في البنية أوضح لأنه يستند إلى أرقام محدّدة بينما التراجع في النظام فهو أكثر صعوبة وإن كانت بعض المؤشرات توضح ذلك.  سنعالج الخلل النظامي السياسي في فقرة مستقلّة.  نستعرض الآن فقط بعض العناواين الرئيسية مع شيء من الشرح.

أ‌-       حجم الدين العام الذي تجاوز في نهاية 2012 16 تريليون دولار بينما تقديرات الناتج الإجمالي الداخلي لعام  2012 لم تتجاوز 15,6 تريليون، اي بمعنى آخى تجاوز الدين العام الناتج الداخلي.  كما أن الناتج الداخلي الأميركي أقلّ بحوالي 2 تريليون دولار من الناتج الداخلي للإتحاد الأوروبي، أي أصبح في المرتبة الثانية بعدما كان في بداية الألفية في المرتبة الأولى.  وأرقام الدين العام تمثل تراكم العجوزات المتكرّرة في الموازنة الأميركية ولا تأخذ بعين الإعتبار إلتزامات الضمان الإجتماعي ولا إلتزامات المؤسسات الضامنة للقروض (فاني ماي وفريدي ماك).

ب‌-   حجم الدين المتفاقم افضى إلى ضرورة اتباع سياسات تقشّق بالإنفاق تشمل نفقات وزارة الدفاع والتي ستؤثر على الأداء العسكري الأميركي خارج الولايات المتحدة.  إضافة إلى ذلك فموجة عصر النفقات ستؤدي إلى إغلاق عدد من القواعد العسكرية داخل وخارج الولايات المتحدة.  فإغلاق القواعد داخل الولايات المتحدة سيساهم في تفاقم البطالة حيث عدد كبير من الولايات تستفيد مباشرة من نفقات وزارة الدفاع كولايات كارولينا الشمالية والجنوبية على سبيل المثال.  وقد

ت‌-   حجم البطالة المتفاقمة التي تتنافى مع الأرقام المستقرّة للبطالة بمستوى 8-9 بالمائة.  وتلجأ الدوائر الأميركية إلى الإحتيال في تقديم أرقام البطالة إذ تذكر عدد الطالبين بالتعويضات عن البطالة كمؤشر عن البطالة.  غير أن ما لا تقوله هذه الأرقام أن عددا كبيرا من الطالبين ييئسون من الوقوف في طوابير الضمان الإجتماعي وبالتالي يخفّ عددهم إحصائيا دون إلغاء واقعهم البطالي.  أضف إلى ذلك تفاوت البطالة بين الولايات وبين مكّونات المجتمع حيث البطالة تصل إلى 14-15 بالمائة في بعض الولايات وبين الأقلّيات السوداء والسمراء وبين الشباب والنساء.  كما أن الوظائف التي يخسرها الإقتصاد الأميركي لا تستبدل بوظائف أكثر مردودا للعامل. وتشير دراسات عديدة أن مستوى الأجور الحقيقي (أي آخذ بعين الإعتبار تضخّم الأسعار) في انحدار مستمر منذ ولاية نكسون[8].  كما لا بد من الإشارة إلى تراجع الحركة العمّالية التي واكبت التحوّلات في البنية الإقتصادية من أقتصاد يعتمد على الصناعة والزراعة إلى اقتصاد يعتمد على الخدمات بشكل عام والخدمات المالية بشكل خاص.  فالعمل النقابي أصبح مهمّشا بسبب تراجع نسبة التصنيع التي شكّلت العمود الفقري للحركة النقابية.  بدأ ذلك الأمر مع رونالد ريغان الذي أطلق حركة تفكيك القيود (deregulation) التي وصلت ذروتها في عهد كلنتون الذي سمح للمصارف في دخول عمليات المضاربة على الأسهم بودائع الآخرين ولحساب المصارف وليس لحساب المودعين فكانت الأزمة المالية في 2008 التي شرحناها بتفصيل في عدة أبحاث ومقالات[9].

ث‌-   حجم العجز في ميزان التجاري الذي تجاوز 540 مليار دولار عام 2012 مما يدّل أن الولايات المتحدة التي كانت تصدّر للعالم أصبحت تستورد حاجياتها بشكل متعاظم من العالم مما يكرّس انكشافا وتبعية له ناتجة عن عملية التصنيع السلبي أو العكسي (de-industrialization) التي بدأت في السبعينات من القرن الماضي عندما أقدمت الشركات الصناعية الكبرى على إعادة توطين قاعداتها الإنتاجية خارج الولايات المتحدة وخاصة في الإقتصادات النامية التي لا تخضع إلى قيود عمالية وبيئوية وضرائبية تذكر.  فإعادة توطين القواعد الإنتاجية خارج الولايات المتحدة مع ما يرافق ذلك من تحويل التكنولوجيا إلى الخارج وفقدان الولايات المتحدة ذلك الحيّز في مجال القطاع التكنولوجي  دفع عدد  من الباحثين لحثّ الإدارة الأميركية على إعادة النظر في السياسة المعتمدة إلاّ  أنهم مستاءون من اللامبالاة التي تمارسها الإدارة تجاه القطاع الصناعي[10].  انتقد الشيخ أرنسة هولينج والاقتصادي إيامون فنغلتون سياسة العجز في الميزان التجاري الأميركي التي تهدّد الاقتصاد القومي في الولايات المتحدة[11].  فالعجز يعني أن الأميركيين يعيشون فوق إمكاناتهم أي ينفقون أكثر ما يمكّنهم دخلهم ولا يحوّلون أي قسم من دخلهم إلى حسابات الادخار.  كما أنه يعني أن الولايات المتحدة فقدت ريادتها في كثير من القطاعات وتواجه صعوبات عديدة في استعادة موقعها الريادي[12].  ويعتبر الكاتبان أن تمويل العجز في الميزان التجاري بمثابة بيع "كنز العائلة" أي عبر الإستدانة وخاصة من دول خارجية.  فالصين اليوم تحمل أكثر من 1,3 تريليون دولار من سندات الخزينة تليها اليابان بقيمة 1,1 تريليون دولار.  ونضيف أن ذلك التطور أخذ أبعادا سياسية على الصعيد الداخلي في أميركا حيث أصبحت قضية تصدير الوظائف قضية أساسية في الخطاب السياسي في الحملة الانتخابية الرئاسية.  و لم تنحصر خسارة الوظائف في القطاعات ذي المهارات المتدنية بل طالت الوظائف المرتفعة الرواتب[13].

ج‌-    إنخفاض قيمة الدولار مقابل اليورو والين والجنية الإسترليني مما يشجّع حركة الصادرات الأميركية ويقلّص على الأقل على الصعيد النظري الإستيراد.  لكن تخفيض الإستيراد الأميركي لأنها أصبحت أكثر كلفة للأميركيين يضعف حكومات العالم التي تتعامل مع الولايات المتحدة لأن الإستيراد الأميركي ومن وراءه الإستهلاك الداخلي هو المحرّك الأساسي للنمو الإقتصادي في العالم.  فالصادرات الصينية, وبعمظمها تذهب تجاه الولايات المتحدة تحتاج إلى استمرار الإستهلاك الأميركي حتى عبر ازدياد المديونية العامة للدول المصدّرة تجاه الفترة السابقة.  فأصبحت النتيجة  شبح معروفة من قبل من يتابع التطوّرات الأميركية أي أنها لمصلحة الصين ومن ورائها اليابان وعدد من الدول الآسيوية المصدّرة للولايات المتحدة. لكن الإستيراد الأميركي لم يتوقف ولم يضعف وبالتالي يستمرّ العجز في الميزان التجاري مما يشكّل ضغطا مستمرّا على الإقتصاد الأميركي وتمويله عبر الدين.  وإذا سألتم أين الدين من ذلك فهو عبر طباعة الدولار لتمويل الإستيراد.  فطالما النظام المدفوعات العالمي يستند إلى الدولار (وإن انخفضت قيمته) فالولايات المتحدة ستستمر بطباعة النقود دون أي رادع.  وكما قال جون كونللي وزير المالية (عام 1972) في عهد الرئيس نيكسون لوزراء خارجية أوروبا واليابان:  الدولار عملتنا ولكن مشكلتكم!  لكن انخفاض الدولار يقلّل من قيمة الإستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة التي ترى في التخفيض المتعمّد للدولار سياسة مدروسة لتقليل القيمة الفعلية للدين الأميركي وللإستثمارات الأجنبية. هذه عملية قرصنة ممنهجة مرتكزة على القوة المفرطة السابقة في رأينا للولايات المتحدة لإبتزاز العالم.  لكن اليوم نرى محاولات جادة لتجنّب الإتكال على الدولار في المبادلات الخارجية عبر التبادل العيني للسلع الإسترتيجية (barter trade) التي تقلٍّص دور الدولار في تحديد القيمة ونفوذ الولايات المتحدة.

ح‌-    تآكل القدرة التنافسية.  العجز في الميزان التجاري يكشف عن واقع ذي أهمية بالغة.  فبعد الحرب العالمية الثانية وحتى 1980 كانت التجارة الخارجية تمثل 8.3 بالمائة من الناتج القومي وكان الميزان التجاري دائما في حالة فائضة.  غير أن المنافسة من اليابان و دول أخرى أدت إلى تبخّر تلك الفوائض.  لكن في المقابل ازدادت أهمية قطاع التصدير  كقوة دافعة للاقتصاد الأميركي علما أن التجارة الخارجية كانت دائما الحجر الزاوية للسياسة الخارجية الأميركية منذ القرن التاسع عشر.  ومع انهيار الاتحاد السوفيتي كان من المتوقّع أن تأخذ الولايات المتحدة حصة الأسد من انفتاح الأسواق في أوروبا الشرقية إلا إن الوقائع كانت مخالفة للتوقعات.  فتراجع الشيوعية أدى إلى تقوية مناطق منافسة للولايات المتحدة حيث حصل الاتحاد الأوروبي على حصة الأسد.  ففي عام 2003 كانت حصة الاتحاد الأوروبي من التجارة مع روسيا 37 بالمائة بينما كانت حصة الولايات المتحدة 5 بالمائة فقط.  أما حصة استثمارات الولايات المتحدة في روسيا فكانت 16 بالمائة أي أقل من حصة ألمانيا وأقل بكثير من حصة الاتحاد الأوروبي[14].  أما في شرق آسيا فالمشاركة الأساسية في التجارة مع الصين هي للمغتربين الصينيين أولا ومن بعدهم اليابان وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة مع الاتحاد الأوروبي[15]. هذه الوقائع تدّل بوضوح أن الولايات المتحدة ليست بنفس المرتبة والقدرة التنافسية للتكتلاّت الإقليمية المنافسة لها كما تدعم نظرية الكاتب الفرنسي امانويل طود الذي أبشر باضمحلال الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة في مؤلف شهير نشر عام 2002[16].  وبالفعل كانت حصة الولايات المتحدة من الإنتاج الصناعي في عشر أهم  دول صناعية 62 بالمائة عام 1950 لكنها انخفضت إلى 44 بالمائة عام [17]1970.  ويمكن التساؤل عن حال الريادة في الميدان التكنولوجي والجواب يختلف من باحث إلى باحث.  فبالنسبة لطود إن التفوق التكنولوجي الأميركي في أفول.  ففي صناعة السيارات تواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة من اليابان والاتحاد الأوروبي.  أما في الصناعات الحربية ما زالت الولايات المتحدة محافظة على مكانتها المتفوقة مما يعزّز نظرية عسكرة المجتمع الأميركي.  وفي صناعة الطائرات المدنية تواجه شركة بوينغ الأميركية منافسة شديدة من منافسها الأوروبي شركة آربص[18].  وفي قطاع  تكنولوجية المعلومات تهدّد عملية تصدير وتنمية البرامج المعلوماتية لمواقع في الخارج التفوق النسبي التي كانت قد اكتسبته الولايات المتحدة بسبب اكتشافها وتطويرها للحاسوب وتسويقه تجاريا للمستهلكين.  كل هذه التطورات تشير إلى تراجع ملموس في القدرة التنافسية للولايات المتحدة على الصعيد الدولي.

خ‌-  إزدياد الفقر.  تفيد الإحصاءات الأميركية لعام 2010 أن حوالي 15 بالمائة من الأميركيين يعيشون تحت الفاصل لمستوى الفقر اي حوالي 45 بالمائة من السكان.  وهناك إحصاءات تفيد أن حوالي 50 مليون يعيشون دون أي نوع من الضمان الإجتماعي.  هذا دفع إلى قيام حركات احتجاجية المعروفة بحركة الواحد بالمائة أي أن واحد بالمائة من السكّان يملكون ويتمتعّون ب 99 بالمائة من الثروة.  طبعا، حوصرت الحركة من قبل الإعلام الأميركي التي تملكه شركات لا يزيد عددها العشرة والتي تملكها بدورها شركات المجمع العسكري الصناعي المالي!  رغم كل ذلك فما زالت الحركة مستمرة عبر التواصل التكنولوجي والأمور ستتجه إلى تصعيد كبير إن لم تقدم الإدارة الأميركية في الولاية الثاني للرئيس اوباما على تصحيح الوضع.  لكن ليس في الأفق ما يدّل على ذلك.

ثالثا- التراجع السياسي

التراجع الإقتصادي في رأينا يعود إلى تراجع في المشهد السياسي على صعيد الفكر والممارسة.  نردّد دائما أن الإقتصاد ليس إلاّ السياسة ولكن بلغة الأرقام.  مواطن التراجع الإقتصادي التي سردناه أعلاه تعود إلى البنية والنظام السياسي القائم.  لسنا هنا في إطار تشريح النظام السياسي لأن ذلك يتطلّب بحثا منفصلا بل نكتفي بسرد النقاط التالية.

النقطة الأولى هي فقدان التوازن في عقل النخب الحاكمة بين ضرورة التمسّك بالإمبراطورية الكونية وبين مقتضيات الجمهورية. بل نقول أكثر من ذلك فإن تماسك الجمهورية ارتبط منذ آواخر القرن التاسع عشر بالإنتشار غربا نحو جزر هاواي وجزر الفيليبين. والتوجه شرقا نحو جزر بحر الكارييب وخاصة كوبا استكمالا لنظرية الرئيس منورو في الربع الثاني من القرن التاسع عشر حيث حذّر الإمبراطوريات الأوروبية من التدخّل في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة أي أميركا اللاتينية.  إنشاء الأسطول الأميركي لأغراض التوسّع السياسي بدأ مع الرئيس مكّينلي تبعه تيودور روزفلت الذي قام بغزوة كوبا عام 1898. أما الحملة على الفيليبين في عهد مكّينلي فكانت نتيجتها أكثر من 300 ألف قتيل فيليبيني كما أفادات جلسات استماع الكنوغرس آنذاك.  فنزعة الإبادات الجماعية لم تقتصر على إبادة السكّان الأولين في القارة الشمالية بل امتدّت إلى الفيليبين.  نلفت النظر أن الحملات العسكرية الأميركية خارج الولايات المتحدة بدأت في الربع الأول من القرن التاسع عشر في حملات على شواطئ المغرب وشمال إفريقيا بحجة ملاحقة القراصنة.  ونشيد المارينز يبدأ بذكر هياكل مونتزوما آخر ملوك الآزتك في أميركا الشمالية والمكسيك خاصة تيمنّا بالفاتحين الإسبان كهرنان كورتيز ورمال طرابلس مما يدّل أن "القدر المتجلّي" للولايات المتحدة في "قيادة العالم" تتطلّب قوة عسكرية كبيرة ودولة مركزية توفّر الإمكانيات لتلك القوى.  الخلاف الفكري السياسي بين الآباء المؤسسين كان وما زال حتى اليوم حول دور وحجم السلطة المركزية.  الحرب الأهلية الأميركية حسمت الخلاف لمصلحة من كان يطالب بقوّامة الدولة المركزية على حساب سلطة الولايات.  لذلك كانت سياسة الإنفاق المتزايد لتلبية حاجات الدولة المركزية. 

من جهة أخرى كان لا بد من "إلهاء" المواطنين الأميركيين الآتين من مختلف بقع الأرض وإعطائهم فكرة يتمسّكون بها فكان شعار "الحلم الأميركي".  وهذا الشعار يوعد المواطن الأميركي بحياة من الرفاهية إن تخلّى عن الأرث السياسي والفكري الذي أتى به من وطنه الأم.  كما أن التسهيلات التي أعطيت منذ ستينات القرن الماضي في امتلاك السلع جعلته يعيش مظاهر الرفاهية ولكن عبر الإستيدانة دون المطالبة برفع الأجور والرواتب.  فالدين هو الذي يمكّن المواطن الأميركي من عيش حياة الرفاهية في امتلاك المنزل والسيارة وأحدث الإلكترونيات إلخ. وإن كان راتبه أو دخله لا يسمح بذلك.  فالمواطن الأميركي أصبح يعيش فوق مستوى قدراته وأي تصحيح في الأوضاع يعني انخفاض مستوى المعيشة وهذا ما لا تستطيع أن تتحمّله أي قيادة سياسية في البلاد.

انتشار ثقفافة الدين كانت سياسة متعمّدة لدعم الإستهلاك.  لكن في الماضي أي حتى بداية الستينات كان مصدر الإستهلاك الصناعة الأميركية.  مع إعادة توطين الصناعات في الخارج كان لا بد من نشاط بديل يخلق الثروة فكان التحوّل السريع نحو قطاع الخدمات وخاصة الخدمات المالية.  فتلازم الدين المحلّي مع نمو الدين الخارجي لتمويل الإستهلاك الداخلي.  من جهة أخرى فإن السياسات المالية استلزمت فكّ القيود المنظّمة (deregulation) مما أفقد الضوابط على ممارسات الشركات ومسؤوليها.  كما أن هذه السياسات رافقتها الإتكال على السياسة النقدية المتحرّرة من القيود وضرورة تقليص دور السياسة المالية اي بمعنى آخر تفكيك تمكين الدولة المركزية من قدرات على تقديم الخدمات بحجة أن الضرائب هي أموال المواطن والأخير أحق بها من الإنفاق غير الرشيد للدولة.  إذا من جهة هناك سياسة للإثراء السريع عبر سياسة نقدية متحرّرة من القيود وتُسهّل المضاربات المالية وهناك سياسة مالية تضغط لتقليص دور الدولة.  وتقليص دور الدولة يخفّف من قدرتها الرقابية على الممارسات غير القانونية وغير الأخلاقية لمسؤولي الشركات الذين استطاعوا إغراء وإفساد المُشرّع بشكل عام.

هناك نقطة في بالغ الأهمية وهي تردّي الحرّيات العامة والحقوق بسبب ما سُمّي بمقتضيات الحرب على الإرهاب.  استطاعت النخب الحاكمة خاصة في عهد بوش في تقويض الحرّيات العامة وإخضاع شرائح واسعة من القضاء إلى مشيئة السلطة التنفيذية التي كانت ممارستها غير بعيدة عن السلوك الفاشية.  فما زال حتى الساعة معتقل غوانتانمو يعمل دول أن يحرّك ساكنا المجتمع الأميركي.  والتطوّر التكنولوجي يساعد بشكل فعّال إنتهاك الحرمات الخاصة بالتنصت ومراقة مختلفة وسائل التواصل. وتسييس القضاء على قاعدة الإنتماء السياسي والعقائدة يفقد التوازن بين السلطات الثلاث التي تشكّل قاعدة الجمهورية القائمة.

إن هذه التطوّرات كانت نتيجة تردّي الآداء السياسي للقيادات الأميركية.  فنوعية القيادات المنتخبة كانت دون المستوى الأخلاقي وأو الكفاءة منذ نهاية ولاية ايزنهاور الذي حذّر في خطبة الوداع من مخاطر المجمّع العسكر الصناعي الذي اختطف السياسة في الولايات المتحدة، وهو العسكري القدير الذي قاد قوات التحالف في المسرح الأوروبي في الحرب العالمية الثانية.  التردّي السياسي وصل إلى ذروته في الإستقطاب الحاد بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.  كما أشرنا أعلاه فإن الخلاف الأساسي الفكري بين الحزبين هو حول دور الدولة المركزية وحجمها. وبما أن سياسات الحزب الجمهوري تهدف إلى تقليص دور الدولة من جهة واستمرار التمسّك بالإمبراطورية وما يستلزم ذلك من موارد عسكرية ومالية فهنا تناقض واضح بين الطموحات والإمكانيات.  يعتقد الحزب الجمهوري أن بإمكانه الحفاظ على المكتسبات وفرض قوة الولايات المتحدة على العالم وتخفيض النفقات الحكومية ولكن عبر تقليص الخدمات العامة كالضمان الإجتماعي والتعليم والتطبيب.  هذه الوصفة كارثية على الصعيد الداخلي ودون جدوى على الصعيد الخارجي إذ أن المزاج الأميريكي هو في تقليص الإلتزامات الخارجية كما أشار بات بيوكانان المعلق الجمهوري البارز والمرشح السابق للرئاسة الأميركية[19].  نذكّر هنا أن الكلفة المباشرة للحرب في كل من أفغانستان والعراق تجاوزت 1,3 ترليون دولار.  وإذا اضفنا الكلفة غير المباشرة فإن الكلفة الحقيقية للحرب في العراق حسب جوزيف ستيغليتز الإقتصادي الأميركي المرموق الحائز على جائزة نوبل في الإقتصاد قد تتجاوز 3 تريليون دور والحبل على الجرّار[20].  لذلك نرى الرئيس اوباما يسعى إلى الإنسحاب من أفغانستان بأسرع وقت ممكن لتخفيف العبء المالي والسياسي والمعنوي.

يقابل الموقف الجمهوري موقفا من الحزب الديمقراطي على 180 درجة منه في دور وحجم الدولة ولكن يتاوفق معه في الدور الإمبراطوري.  لكن يعي الحزب الديمقراطي أن المزاج الأميركي لا يؤيّد فتح جبهات جديدة أو الخوض في حروب لا تمسّ مباشرة بالأمن القومي الأميركي، أي الدفاع عن الولايات المتحدة.  الخلاف على الأجندة الداخلية وصل إلى حال من الحدة حيث أصبحت اللعبة الصفرية تتحكّم بالأداء السياسي.  ف"مكسب" فريق يُعتبر "خسارة" للفريق الآخر وإن كان لمصلحة الوطن.  أصبح العمل السياسي محوره إفشال الفريق الآخر مهما كلّف الثمن.  رأينا تداعيات ذلك السلوك في عدم الإتفاق على سياسة موحّدة حول الإنفاق. وتردّي الأداء السياسي في الولايات المتحدة حمل باحثين مرموقين أحدهما محافظ والثاني "ليبرالي" على كتاب مشترك خلال صيف 2012 عنوانه يفسّر كلّ شيء: "الحالة حتى أسواء مما تظنّون: أو كيف النظام الدستوري الأميركي اصطدم بسياسات التطرّف الجديد"[21].  هذا التطرّف سهّل العملية الصفرية وسمّم الأجواء السياسية فأصبح الكونغرس عاجزا عن مواكبة ومعالجة شؤون وشجون المواطن الأميركي.  تفاقم الوضع جعل البعض في الولايات المتحدة يعتبرونها أنها تتّجه لتصبح من دول العالم الثالث لترهّل البنى التحتية وعدم تأهيلها والإستثمار فيها[22].  والعنوان الإضافي يدين بوضوح الطبقة السياسية التي تخلّت عن الطبقة الوسطى وخانت "الحلم الأميركي".  الكتابان المذكوران يلخّصان الحالة السياسية في الولايات المتحدة حيث الشلل في الكونغرس وسوء آداء النخب السياسية أدّى إلى التراجع في كافة الميادين.

رابعا- التحوّلات الجذرية في الولايات المتحدة

التحوّلات الجذرية في الولايات المتحدة تكمن في أربعة محاور رئيسية: المحور الأول هو التحوّل الإجتماعي والسكاّني.  المحور الثاني هو عسكرة المجتمع الأميركي. المحور الثالث هو تردّي البنية التعليمية حيث فقدت الولايات المتحدة ريادتها في التعليم الإبتدائي والثانوي وعلى شفير فقدان الريادة في التعليم الجامعي. المحور الرابع التحوّل من إقتصاد إنتاجي إلى إقتصاد ريعي وما يرافق ذلك من تداعيات على الحوكمة والمحاسبة والمسائلة.

أ‌-   التحوّلات الإجتماعية.  أما على صعيد التحوّل الإجتماعي فلا بد من التوقف عند النقاط التالية.  النقطة الأولى هو أن النمو الطبيعي للسكان في حال تراجع حيث عدد أفراد الأسرة في إنخفاض.  للحفاظ على معدّل النمو الطبيعي تستعين الولايات المتحدة بالهجرة.  لكنها لا تستطيع أن تتحكّم ب"لون" و"نوع" الهجرة الوافدة مما خلق "أقلّيات" وازنة في بعض المناطق أخلّت بالبنية التقليدية السكّانية البيضاء الأنكلوساكسونية البروتسطانتية.  ويتجلّى ذلك الأمر في ولايات الجنوب الغربي الأميركي حيث أصبحت الجالية المنحدرة من أصول أميركية لاتينية في موقع الأكثرية في المدن الكبرى.  والولايات المعنية هي كولورادو وتكساس وأريزونا ونيومكسيكو وجنوب كاليفورنيا وهي ولايات كبيرة وازنة في عدد السكاّن والحجم الإقتصادي.  وأصبحت اللغة الإسبانية اللغة السائدة في المدن والقرى الحدودية.  هذا جعل الباحث الراحل سامويل هنتغتون يحذّر بأن الخطر الذي يحدّق بالولايات المتحدة ليس صراع الحضارات كما كتب في بداية التسعينات بل فقدان الهوية الأنكلوساكسونية البيضاء البروتسطانتية[23]!  (كلام عنصري وفتنوي بإمتياز).  إن من هو مطّلع على تاريخ الولايات المتحدة يعرف مدى كراهية البروتسطانت للكاثوليك الذين لا يتعتبرون الآخرين من المسيحيين بل من "أتباع البابا".  هذه الذهنية تنذر بإنفجار المجتمع الأميركي إذا ما استمرّ الوضع الإقتصادي والإجتماعي في حالة ترهّل.

النقطة الثانية في التحوّل الأجتماعي هو ما أوردته إحصاءات التعداد السكّاني في الولايات المتحدة عامي 2000 و2010 حيث أظهر التعداد أن أكثر من خمسين بالمائة من الوحدات العائلية تفتقد إلى أحد الأبوين غالبا الأب.  هذا يؤدّي إلى تفكّك الوحدة الأساسية للمجتمع أي العائلة وما يرافقها من تداعيات في فقدان السيطرة على المراهقين وتزايد الإجهاض وتفشّي استعمال المخدّرات.  فتماسك الوحدة الإجتماعية مهدّد وهذا لا يبشّر بالخير لمستقبل الولايات المتحدة.

النقطة الثالثة هو زيادة التطرّف الديني والعرقي في العديد من الولايات.  التطرّف الديني أفرز خطابا عنصريا إنغلاقيا يتنكّر للديانات الأخرى وهذا ما يساهم في تهديد وحدة النسيج الإجتماعي.  أما على صعيد التطرّف العرقي فرغم الإنجازات التي حُققت لمصلحة السود والتي تجلّت بوصول اوباما إلى الرئاسة فإن النزعات العنصرية في عدد من الولايات أدّت إلى تكاثر الميليشيات التي تنادي بالتفوق العنصري الأبيض والتي تتلازم أيضا مع كره الديانات والطوائف الأخرى.  هذه الظاهرة ليست جديدة ولكن في زمن الضيق الإقتصادي تعود لتطلّ على المجتمع الأميركي.

النقطة الرابعة هي تفشّي ثقافة العنف منذ المدرسة إلى الجامعة إلى الحياة العامة.  الرياضة وألعاب الفيديو والأفلام كلّها تدور حول تمجيد ثقافة العنف وليست الجائزة الأخيرة في الأوسكار التي أعطيت لفيلم "ارغو" التي تتغنّى ب"نجاحات" الوكالة المركزية للإستخبارة إلا دليلا على ذلك.  الجدير بالذكر أن الفيلم الأكثر تنافسا له هو الفيلم الذي يمجّد الأعمال البطولية للقوات الخاصة البحرية في مطاردة وقتل بن لادن.  ثقافة العنف متأصلة في الوجدان الأميركي وإذا ربطناها مع تفشّي السلاح وسهولة حمله وثقافة فضّ الخلافات بالعنف فهذا ينذر بتمزيق النسيج المجتمعي إضافة للعوامل الأخرى.  وثقافة العنف تتلازم مع إنتشار حمل السلاح الذي يصونه الدستور الأميركي.  فعلى ما نعلم هو الدستور الوحيد في العالم الذي يسمح بالميليشيات الخاصة ولوبي السلاح هو من اقوى اللوبيات في الولايات المتحدة.  لذلك نرى شبه استحالة في ضبط حمل السلاح وبالتالي نرى تكرار المآسي من القتل بين صفوف التلاميذ في المدارس الأميركية.  في العقد الأخير سُجلات 37 حادثة قتل جماعي بين تلاميد المدارس الثانوية دون أن يتحرّك المجتمع الأميركي.

ب‌- عسكرة المجتمع الأميركي. كنّا قد أشرنا في دراسة سابقة على ظاهرة عسكرة المجتمع الأميركي.  وهذه الظاهرة تتجلّى في عدة قطاعات.  أولا دور وزارة الدفاع في دفع العجلة الإقتصادية والبحوث العلمية.  ونضيف إلى ذلك ظاهرة خصخصة ما يسمّونه الحرب على الإرهاب.  في أفغانستان والعراق تجاوز عدد المقاولين الأمنيين 260 ألف مقاول من القطاع الخاص حتى نهاية 2010[24]أما حجم مبيعات ذلك القطاع الأمني الخاص فيتجاوز 100 مليار دولار في آخر 2003[25].  وعندما نقول "مقاول" نعنى "مرتزقة"!  وتفيد بعض الدراسات أن أكبر 25 شركة مقاولة للدفاع في الولايات المتحدة توظّف أكثر من مليونين عامل وموظف وتقدّر مبيعاتها بأكثر من 500 مليار دولار وتجني ما يوازي 52 مليار دولار