اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
   

 

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 أم المعتز (نزار قباني )
 

نزار قباني

 

أم المعتز

(نزار قباني )

 

1-

 

 

عندما كانتْ بيروتُ تموتُ بينَ ذِراعَيَّ

 

كسَمَكَةٍ اختَرَقَها رِمحْ

 

جَاءَني هاتفٌ مِن دِمَشقَ يقولْ:

 

"أمُّكَ ماتَتْ".

 

لم أستوعبِ الكلماتِ في البداية

 

لم أستوعبْ كيفَ يمكنُ أنْ يموتَ السمَكُ كُلُّهُ في وقتٍ واحدْ ..

 

كانتْ هناكَ مدينةٌ حبيبةٌ تموتْ .. إسمُها بيروتْ

 

وكانتْ هناكَ أمٌّ مُدهِشَةٌ تَموتْ .. إسمُها فائزَة ..

 

وكانَ قَدَري أن أخرُجَ من موتٍ ..

 

لأدخُلَ في موتٍ آخَرْ ..

 

كانَ قَدَري أن أُسافِرَ بينَ مَوتَيْنْ ...

 

 

2-

 

 

كلُّ مَدينةٍ عربيّةٍ هي أمّي ..

 

دمشق ، بيروت ، القاهرة ، بغداد ، الخرطوم ،

 

الدار البيضاء ، بنغازي ، تونس ، عمّان ، الرياض ،

 

الكويت ، الجزائر ، أبو ظبي وأخواتِها ..

 

هذهِ هيَ شَجَرةُ عائلتي ..

 

كلُّ هذهِ المدائنِ أنزَلَتْني مِنْ رَحْمِها

 

وأرضَعَتْني من ثَديِها ..

 

وملأَتْ جيوبي عِنباً ، وتيناً ، وبرقوقاً ..

 

كلُّها هَزَّتْ لي نَخلَها .. فأكَلْتْ ..

 

وفَتَحَتْ سماواتِها لي .. كَرَّاسَةً زَرقاءْ ..

 

فَكَتَبْتْ ..

 

لذلكَ ، لا أدخلُ مدينةً عِربيّةً .. إلا وتُناديني :

 

" يا وَلَدي " ...

 

لا أطرقُ بابَ مدينةٍ عربية ..

 

إلا وأجدُ سريرَ طفولتي بانتظاري ..

 

لا تنزُفُ مدينةٌ عربية إلا وأنزفُ معها ..

 

فهلْ كانتْ مصادفةً أن تموتَ بيروتْ ..

 

وتموتُ أمّي في وقتٍ واحدْ ؟

 

 

3-

 

 

يعرفونَها في دمشقَ باسم (أمّ المعتزّ)

 

وبالرغمِ من أنَّ اسمها غيرُ مذكورٍ في الدليلِ السياحيّ

 

فهيَ جزءٌ من الفولكلورِ الشاميّ.

 

وأهميّتُها التاريخيّةُ لا تَقِلُّ عن أهميَّةِ (قصرِ العظم)

 

و(قبرِ صلاحِ الدين) و(مئذنةِ العروس)

 

ومزارِ (محي الدين بن عربي)

 

وعندما تصلُ إلى دمشقَ ..

 

فلا ضرورةَ أنْ تسألَ شرطيَّ السيرِ عن بيتِها ..

 

لأنَّ كُلَّ الياسمينِ الدمشقيِّ يُهَرهِرُ فوقَ شُرفَتِها ،

 

وكلُّ الفُلِّ البلديِّ يَتَرَبّى في الدلالِ بينَ يديها ..

 

وكلُّ القططِ ذاتِ الأصلِ التركيِّ ..

 

تأكلُ .. وتشربُ .. وتدعو ضيوفَها .. وتعقدُ اجتماعاتِها ..

 

في بيتِ أمّي ..

 

 

 

4-

 

 

نسيتُ أنْ أقولَ لكمْ ، إنَّ بيتَ أمّي كانَ معقِلاً للحركةِ الوطنيّةِ في الشّامِ عامَ 1935. وفي باحةِ دارِنا الفسيحةِ كانَ يلتقي قادةُ الحركةِ الوطنيّة السورية بالجماهير. ومنها كانت تنطلقُ المسيراتُ والتظاهراتُ ضدَّ الانتدابِ الفرنسي ..

 

وبعدَ كلِّ اجتماعٍ شعبي، كانت أمّي تُحصي عددَ ضحاياها من أصُصِ الزّرعِ التي تحطّمتْ.. والشّتولِ النادرةِ التي انقصَفتْ .. وأعوادِ الزنبقِ التي انكسَرَتْ ..

 

 

وعِندما كانت تذهبُ إلى أبي شاكيةً لهُ خسارَتها الفادحة، كان يقولُ لها، رحمهُ الله، وهوَ يبتسمُ:

 

 

(سجّلي أزهاركِ في قائمةِ شهداءِ الوطن... وعوضكِ على الله...)

 

 

وتختجلُ أمّي من سخريّةِ أبي المبطّنة، ولكنها في نفسِ الوقت، تشعرُ بهزّةِ عنفوان، لأنَّ بيتَها صارَ بيتَ الوطنية.. ولأنَّ أزهارَها ماتتْ من أجلِ الحرية...

 

 

5-

 

أمّي لا تتعاطى العلاقاتِ العامّة، وليسَ لها صورةٌ واحدةٌ في أرشيفِ الصحافة.

 

لا تذهبُ إلى الكوكتيلات وهي تلفُّ ابتسامتَها بورقةِ سولوفانْ ..

 

لا تقطَعُ كعكَةَ عيدِ ميلادِها تحتَ أضواءِ الكاميراتْ ...

 

لا تشتري ملابسَها من لندن وباريس ، وترسلُ تعميماً بذلكَ إلى من يهمّهُ الأمر ...

 

لا توزّعُ صورها كطوابعِ البريدِ على محرّراتِ الصفحاتِ الاجتماعية

 

ولم يسبقُ لها أن استقبلَتْ مندوبةً أيّ مجلةٍ نسائية، وحدّثتها عن حبّها الأوّل .. وموعدِها الأوّل .. ورجُلِها الأوّل ..

 

فأمّي (دّقّـةٌ قديمة) .. ولا تفهمُ كيفَ يكونُ للمرأةِ حبٌّ أوّلٌ .. وثانٍ .. وثالثٌ .. وخامسُ عَشَرْ ..

 

أمّي تؤمنُ بربٍ واحدٍ .. وحبيبٍ واحدٍ .. وحبٍ واحدٍ ..